الجلاد الذي لا يحتاج حجة | من كولت إلى الخوارزمية
كان الجلاد دائماً يحتاج إلى مبرر. يحتاج إلى قصة يحكيها لنفسه قبل أن ينام. ثم اخترعنا شيئاً لا ينام ولا يحتاج إلى قصة. في فبراير من هذا العام، جلست أتابع خبراً بدا في البداية عادياً من فرط غرابته: وزارة دفاع أكبر قوة عسكرية في التاريخ طلبت من شركة خاصة أن تُزيل ضمانات أخلاقية عن برنامج…
كان الجلاد دائماً يحتاج إلى مبرر. يحتاج إلى قصة يحكيها لنفسه قبل أن ينام. ثم اخترعنا شيئاً لا ينام ولا يحتاج إلى قصة.
في فبراير من هذا العام، جلست أتابع خبراً بدا في البداية عادياً من فرط غرابته: وزارة دفاع أكبر قوة عسكرية في التاريخ طلبت من شركة خاصة أن تُزيل ضمانات أخلاقية عن برنامج حاسوبي. الشركة رفضت. ودفعت ثمن الرفض تهديداً بخسارة عقد بمئتَي مليون دولار.
الشركة اسمها أنثروبيك — وبالمناسبة، هي نفس الشركة التي صمّمت تطبيق كلود الذي استخدمته في تحرير هذا المقال.
قال رئيسها التنفيذي داريو أمودي بعبارة لم أتوقع أن أسمعها في عالم التقنية:
“لا يمكننا بضمير مستريح الامتثال لطلباتهم.” [1]
وقفت عند كلمة واحدة: ضمير.
ليس لأنها غريبة. بل لأنها صارت نادرة في هذا السياق تحديداً. لأن المقاربة الطبيعية في الحرب الحديثة لم تعد تبحث في الضمير — بل في الكفاءة. والكفاءة، كما سأحاول أن أروي هنا، هي القصة الكاملة لتطور الأداة التي يقتل بها الإنسان أخاه الإنسان. قصة بدأت بمسدس وعبارة طريفة — ولم تنته بعد.
أولاً: كولت وعدالة الرصاصة
عام 1836، خرج صمويل كولت بمسدسه متعدد الطلقات إلى السوق. لم تكن المشكلة في المسدس. المشكلة كانت في العبارة التي انتشرت بعده مباشرة بين الناس، كأنها نكتة تحمل حقيقة أثقل منها:
“الله خلق البشر متفاوتين، وكولت جعلهم متساوين.”
ضحكت حين قرأتها. ثم توقفت عن الضحك.
لأن ما فعله كولت لم يكن المساواة — بل كان شيئاً أدق وأخطر: زيادة المسافة. المسافة بين الإنسان وفعل القتل. بين القرار والجسد الذي يقع عليه. الرجل الذي كان يحتاج أن يقترب ليقتل، صار يستطيع أن يبقى بعيداً. وفي تلك المسافة الجديدة، بدأ الضمير يتنفس بشكل مختلف.
ثانياً: الرشاش وبداية العمل الصناعي
عام 1914، دخلت أوروبا حرباً ظنّت أنها ستنتهي قبل الكريسماس. لم تعلم أن المدفع الرشاش قرر غير ذلك.
أُنجزت الحرب العالمية الأولى بعشرة ملايين قتيل في أربع سنوات. رقم كان مستحيلاً قبل هذه الأداة الواحدة. لكن ما يشغلني ليس الرقم — بل ما حدث للجندي الذي يُدير الرشاش.
الجندي الذي يطعن بالرمح يرى عيني من أمامه. الجندي الذي يطلق من مسدس على مسافة عشرة أمتار يرى وجهه. لكن الجندي الذي يُدير رشاشاً من مئة متر لا يرى وجهاً — يرى “موجة هجوم”. المسافة ليست جغرافية فقط. هي أخلاقية. وكل سلاح في التاريخ فعل الشيء ذاته: جعل الثمن الداخلي للقتل أخف.
ثالثاً: الطيار والمدينة التي لا تراها أعينه
في ليلة الثالث عشر من فبراير 1945، قصف الحلفاء مدينة درسدن الألمانية. مات في تلك الليلة ما بين عشرين وخمسة وعشرين ألف شخص، معظمهم مدنيون. الطيارون عادوا إلى قاعدتهم، تناولوا عشاءهم، وناموا.
هذا ليس اتهاماً للطيارين — هو وصف للبنية. الطيار لا يرى وجوهاً. يرى إحداثيات. يرى “هدفاً استراتيجياً”. والمدينة التي تحترق تحته تبدو من ارتفاع عشرة آلاف قدم وكأنها خريطة تتألق.
المسافة ارتفعت إلى السماء حرفياً. وارتفع معها شيء آخر — شيء كان يقيّد اليد قبل أن تضغط.
رابعاً: أوبنهايمر وآخر جملة قالها إنسان
في السادس عشر من يوليو 1945، انفجرت أول قنبلة ذرية في صحراء نيو مكسيكو. وقف روبرت أوبنهايمر ينظر إلى الغيمة المتصاعدة، وهمس مستحضراً من الكتاب المقدس الهندوسي:
“أصبحتُ الموت، مُدمِّر العوالم.”
أفكر كثيراً في هذه الجملة. ليس لرهبتها — بل لما تحمله من شيء نادر في تاريخ الحرب: المساءلة الذاتية. رجل يقف أمام ما فعل ويقول “أنا”. يعرف اسمه. يعرف ثقل ما صنع. يستطيع في أسوأ لحظاته أن يُحاسَب.
هذه الجملة كانت آخر ما سمعناه من هذا الصنف. لأن ما جاء بعدها غيّر المعادلة من الجذر.
المشكلة الأخلاقية في القنبلة الذرية كانت أن إنساناً قرر استخدامها. المسؤولية — مهما تشابكت — ظلت إنسانية يمكن تتبّعها. حين تقرر الخوارزمية: من يقف أمام الغيمة ويقول “أنا”؟
خامساً: ممدوح عدوان والجلاد الذي كان يحتاج إلى قصة
قبل أن أصل إلى الخوارزمية، أريد أن أتوقف عند كتاب قرأته مرات. كتاب “حيونة الإنسان” للشاعر والكاتب السوري ممدوح عدوان — وهو، في رأيي، من أكثر ما كُتب عمقاً في الأدب العربي الحديث حول سؤال واحد: ما الذي يجعل إنساناً يُعذّب إنساناً آخر؟
يقول عدوان في كتابه ما يبدو بسيطاً لكنه يقلب أشياء كثيرة:
“ليس هناك قدر محتوم على البشر أن يتحولوا إلى جلادين وضحايا، ولكن أنظمة القمع والاستغلال هي التي تريد إبقاء البشر عند مرساة الحيوانية الغريزية الأولى.” [2]
ويصف عدوان بدقة مؤلمة كيف أن الجلاد لا يحتاج إلى شرّ ذاتي ليُعذّب — يحتاج إلى بنية. بنية تُبيح له ما يفعل. بنية من الأوامر والتراتبية والأيديولوجيا و”الضرورة”. وحين يواجهه أحد بإنسانيته، يلجأ الجلاد إلى جملته الخالدة التي رصدها عدوان ببرودة ساخرة:
“أنا عبد مأمور.” [3]
ويُكمل عدوان ويقول:
“كم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني وإحساسنا بإنسانيتنا، حتى صرنا نتعود الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟ وينعكس تعودنا على هذا الإذلال في أننا صرنا نعدّ تعذيب السجين أمراً مفروغاً منه.” [4]
أقرأ هذا الكلام وأفكر: ممدوح عدوان كتب عن الجلاد البشري في الدولة الاستبدادية. كتب عن رجل يحتاج إلى حجة كي يُعذّب — حتى لو كانت الحجة كذبة. يحتاج إلى قصة يحكيها لنفسه كل ليلة قبل النوم: “أنا أخدم الوطن. أنا أنفّذ الأوامر. الضحية تستحق ما يحدث لها.”
الجلاد البشري يحتاج أن يُسكت ضميره — وهذا يكلفه جهداً. يكلفه سنوات من التدريب على اللامبالاة. يكلفه قصصاً وإيديولوجيات وأوامر متراكمة.
ثم اخترعنا شيئاً لا يحتاج إلى أي من ذلك.
سادساً: الخوارزمية — الجلاد الكامل
في اثنتي عشرة ساعة من الضربات على إيران عام 2026، نُفِّذت ما يقارب تسعمئة غارة. [5] معدل كان يستغرق أسابيع في حروب سابقة.
في غزة قبلها، أنتجت خوارزميات قوائم تضم سبعة وثلاثين ألف اسم بشري للاستهداف. أنظمة تحمل أسماء مثل “الإنجيل” و”لافندر” تُحدد الأشخاص وتتعقبهم حتى منازلهم. ومنحها المشغلون هامش خطأ “مقبول” — حتى عشرين مدنياً مقابل كل مقاتل واحد في الصفوف الدنيا. [6]
عشرون. رقم. في خانة “مقبول”.
أتوقف عند هذا الرقم وأفكر في عدوان. الجلاد الذي وصفه كان يحتاج — ولو نظرياً — إلى أن يُبرر لنفسه: “هذا الواحد يستحق.” لكن الخوارزمية لا تُبرر شيئاً. لا تحتاج إلى قصة. الرقم عشرون هو معادلة رياضية، لا قرار أخلاقي.
وفي اختبارات موثقة، اعتبر نظام “مشروع مافن” الأمريكي بركةَ ماء عاكسةً منصةَ صواريخ. [7] لا أحد يستطيع أن يشرح بدقة لماذا — لا المصمِّم ولا المشغِّل. هذا ما يسمّيه الباحثون “مشكلة الصندوق الأسود”: القرار يخرج، لكن مساره الداخلي مظلم حتى لمن صنعه.
الجلاد البشري كان يحتاج إلى حجة. الخوارزمية لا تحتاج حتى إلى صندوق شفاف.
الكونغرس وأسماء تبحث عن إجابات
لم تمر مواجهة أنثروبيك والبنتاغون في صمت. أرسل أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي — من بينهم روجر ويكر رئيس لجنة القوات المسلحة، وجاك ريد نظيره الديمقراطي، ومتش ماكونيل وكريس كونز من لجنة مخصصات الدفاع — رسالة مشتركة تطالب بتمديد المهلة. [8] البنتاغون لم يستجب.
وبدأ مشرعون ديمقراطيون صياغة مشروع قانون يُقيّد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المراقبة والأسلحة الذاتية دون إشراف بشري فعّال. [9] لكن لا يوجد حتى اللحظة قانون شامل يحكم هذه الأنظمة — لا في الولايات المتحدة ولا في أي مكان في العالم.
في نوفمبر 2025، صوّتت مئة وست وخمسون دولة في الأمم المتحدة على قرار يطالب بتشريع دولي ملزم للأسلحة الذاتية. الدول التي رفضت: خمس فقط — أبرزها الولايات المتحدة وروسيا. [10]
الدول التي تملك الأسلحة لا تريد قوانين تحكمها. هذا ليس جديداً. لكنه يعني شيئاً واحداً: من يضع القواعد الآن يضعها وحده.
لحظة أفلاطون التي لم تعد موجودة
أفلاطون في جمهوريته أصرّ على تعليم المحاربين الموسيقى والشعر إلى جانب القتال. لم يكن هذا رفاهية. كان يعرف أن المحارب الذي لا يعرف الجمال يتحول إلى أداة — وأداة القتل بلا روح لا تُفرِّق بين مقاتل وطفل.
ما كان يحمي المدني في الحروب القديمة لم يكن فقط القانون. كان تلك اللحظة — لحظة التردد. اللحظة التي ينظر فيها الجندي إلى وجه من أمامه. ربما لا تُغيّر شيئاً. ربما يضغط على الزناد على أي حال. لكنها كانت موجودة: لحظة إنسانية في قلب الوحشية.
ما فعله كل سلاح جديد — المسدس فالرشاش فالطائرة — هو تقليص تلك اللحظة. تخفيف ثقلها. إبعادها عن المركز.
الخوارزمية ألغتها تماماً. ليس لأنها شريرة، بل لأنها ببساطة لا تملك مثل هذه اللحظة في بنيتها. الخوارزمية لا تتردد. لا ترى وجهاً. لا تحمل ذكرى ما بعد الليل.
(( راجع مقالتي: حيوان _ كلمة واحدة تكشف موقف الحضارة))
خاتمة: ما مات فينا حتى تعوّدنا
في كل مرة أقرأ فيها رقماً جديداً من هذه الحرب — تسعمئة غارة، سبعة وثلاثون ألف اسم، 12.3% خطأ “مقبول” — أعود إلى جملة ممدوح عدوان التي لا تتركني:
“نحن لا نتعوّد إلا إذا مات شيء فينا، وتصوّر حجم ما مات فينا حتى تعوّدنا على كل ما حولنا.” [11]
عدوان كتب هذا عن المجتمعات التي تتعود على الاستبداد. لكن الجملة أوسع من ذلك بكثير. نحن نتعود على كل شيء — على الأرقام الكبيرة، على الصناديق السوداء، على قرارات لا يستطيع أحد تفسيرها، على حروب تُدار بسرعة لا يستطيع العقل البشري مواكبتها.
نتعود لأن شيئاً يموت في كل مرة نقبل فيها أن الكفاءة تكفي وحدها معياراً. أن الرقم هو الجواب. أن “مقبول” كافية لوصف عشرين إنساناً.
شركة أنثروبيك رفضت — وخسرت عقداً بمئتَي مليون دولار. وفي الوقت ذاته، كان الجيش الأمريكي يستخدم منتجها في الضربات التي رفضت أن تُطلق يده. هذا التناقض ليس تفصيلاً بيروقراطياً. هو صورة مصغّرة للحظة التي نعيشها: حيث الرفض ممكن، والتجاوز ممكن أيضاً، وكلاهما يحدث في الوقت ذاته.
السؤال الحقيقي ليس عن أنثروبيك أو البنتاغون. السؤال هو: في أي لحظة بالضبط قررنا جماعياً أن لحظة التردد — تلك اللحظة القبيحة الإنسانية الضرورية قبل الضغط — كانت عيباً في النظام يستحق الإصلاح؟
وماذا مات فينا حين قبلنا بذلك؟
الهوامش والمراجع
[1] داريو أمودي، بيان رسمي لشركة أنثروبيك، فبراير 2026. تناولته صحيفة وول ستريت جورنال، الغارديان، ورويترز.
(Dario Amodei, Anthropic official statement, February 2026 — Wall Street Journal, The Guardian, Reuters)
[2] ممدوح عدوان، “حيونة الإنسان”، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، 2003.
(Mamdouh Adwan — “Haywanat al-Insan”, Mamdouh Adwan Publishing, 2003)
[3] ممدوح عدوان، المصدر نفسه — تحليل شخصية الجلاد في الأنظمة الاستبدادية.
(Ibid. — analysis of the torturer figure in authoritarian systems)
[4] ممدوح عدوان، المصدر نفسه — من مقدمة الكتاب.
(Ibid. — from the book’s preface)
[5] تقارير بلومبرغ وسي إن إن، فبراير-مارس 2026.
(Bloomberg, CNN — Iran strikes coverage, February-March 2026)
[6] تحقيقات صحيفة هآرتس الإسرائيلية وموقع +972، 2024.
(Haaretz, +972 Magazine — “Lavender: The AI machine directing Israel’s bombing spree”, 2024)
[7] مجلة وايرد، تقارير حول إخفاقات نظام مشروع مافن، 2023-2024.
(Wired — Project Maven testing failures, 2023-2024)
[8] محور أكسيوس، “المشرعون يكتبون إلى أنثروبيك والبنتاغون”، مارس 2026.
(Axios — “Bipartisan senators write to Anthropic and Pentagon”, March 2026)
[9] محور أكسيوس، “الديمقراطيون يُعدّون ردًّا تشريعياً”، مارس 2026.
(Axios — “Dems tee up legislative response to Pentagon-Anthropic fight”, March 2026)
[10] مؤسسة يوساناس، “تنظيم الأسلحة الذاتية في نظام متعدد الأقطاب”، يناير 2026.
(Usanas Foundation — “Regulating LAWS in a Fractured Multipolar Order”, January 2026)
[11] ممدوح عدوان، “حيونة الإنسان”، المصدر السابق.
(Mamdouh Adwan — “Haywanat al-Insan”, ibid.)

