يورغن هابرماس | آخر ممثّل لمدرسة فرانكفورت الفكرية
رحل اليوم يورغن هابرماس، الفيلسوف الألماني الكبير الذي بنى حياته على سؤال واحد: كيف يمكن للمجتمعات أن تتفاهم دون أن تنزلق نحو الاستبداد؟ قراءة في حياته وفلسفته وانتقاداتها.
رحل اليوم السبت يورغن هابرماس، أحد أهمّ الفلاسفة الألمان في القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. عُرف بمساهماته الكبيرة في الفلسفة الاجتماعية، ونظرية التواصل، والنظرية النقدية، فضلاً عن فكره السياسي الذي ساهم في إعادة صياغة مفهوم الديمقراطية والمجتمع المدني بعد الحرب العالمية الثانية. أجلس اليوم أمام شاشتي أحاول أن أُصالح شعورين متناقضين: الاحترام الأكاديمي لواحد من أبرز فلاسفة عصره، والتحفّظ الشخصي على بعض ما بنى.
حين رفضه هتلر بالوكالة
وُلد فريدريش إيرنست يورغن هابرماس في دوسلدورف عام 1929، وترعرع في غومرسباخ، مدينة ألمانية صغيرة قريبة من كولن. وُلد وبه شقٌّ خلقيٌّ في الحنك، وخضع لعمليّتين جراحيّتين في طفولته الباكرة. لم تكن الكلمات تأتي إليه بسهولة، وقد تحدّث لاحقاً عن شعوره بأنّ اللغة المنطوقة طبقةٌ من القواسم المشتركة لا يمكن للفرد أن يوجد دونها، مستذكراً كفاحه ليُفهَم وإيمانه بتفوّق الكلمة المكتوبة لأنّها تُخفي ما يعجز عنه المنطوق.
تروي مدوّنة شخصية نقلت ما قاله في مناسبة خاصة أغرب حادثة في طفولته: ذهب مع أبيه — وكان الأب عضواً في الحزب النازي منذ عام 1933 — ليلتحق بصفوف شبيبة هتلر. رُفض هابرماس الصغير عند الباب؛ فالشقّ الخلقيّ في حنكه صنّفه النظام النازي عيباً يتعارض مع مثالية العرق الآري.
الطريف المأساوي في هذه القصة أنّ الطاغية أراد إقصاءه فمنحه — دون قصد — مساحةً للتفكير والشكّ والتأمّل. فَعل الرفض ما لا تفعله آلاف المحاضرات: زرع في الطفل أولى بذور التساؤل عن الهوية والانتماء والعقل.
نهاية الحرب، بداية السؤال
في عام 1944 زُجَّ بهابرماس في صفوف الجيش الألماني للمشاركة في الدفاع عن الجبهة الغربية. لمّا انتهت الحرب وأذاعت محاكم نورمبرغ تفاصيلها، قال لاحقاً بلا مواربة: «رأيتُ فجأةً أنّنا كنّا نعيش داخل نظام إجرامي سياسياً». تلك الجملة ليست اعترافاً عادياً؛ إنّها شهادة جيل بأكمله اكتشف، بعد فوات الأوان، أنّ البداهات التي تربّى عليها كانت بناءً قائماً على الكذب.
لهذا، حين بدأ هابرماس دراسة الفلسفة في جامعات غوتنغن وزيوريخ وبون، حمل معه سؤالاً لم يتركه طوال حياته: كيف يمكن للمجتمعات أن تتفاهم دون أن تنزلق نحو الاستبداد؟ وقد استحضر في هذا السياق إحباطه من عجز ألمانيا ما بعد الحرب عن الانفصال الحقيقي عن ماضيها النازي.
الفلسفة بعد الحرب
حصل هابرماس على الدكتوراه عام 1954 بأطروحة عن الفيلسوف فريدريش شيلينغ، ثمّ عمل مساعداً للفيلسوف ثيودور أدورنو في معهد البحث الاجتماعي بجامعة فرانكفورت — المؤسسة الفكرية التي أسّست مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، حيث درس الفلسفة وعلم الاجتماع تحت إشراف أدورنو وماكس هوركهايمر. لكنّ هوركهايمر رأى في الشاب خطراً، واعتبره ماركسياً يُشجّع شيوعيّي ألمانيا الشرقية وطالب بطرده من المعهد. فانتقل هابرماس إلى ماربورغ حيث أكمل أطروحته للتأهيل الأكاديمي، ثمّ عاد لاحقاً إلى فرانكفورت بدعم من أدورنو نفسه ليتولّى كرسيَّ هوركهايمر في الفلسفة وعلم الاجتماع.
«حين تكلّم هايدغر ولم يتراجع»
لعلّ أجرأ موقف في مسيرة هابرماس الطويلة كان حين نشر عام 1953 — وهو طالب في غوتنغن — مقالة يهاجم فيها مارتن هايدغر، أعظم فيلسوف ألماني حيّ في ذلك الوقت، لأنّه أعاد نشر محاضراته من عام 1935 دون أن يحذف منها إشارته إلى «الحقيقة الداخلية وعظمة الحركة النازية». لم يردّ هايدغر. وكان صمته في نظر هابرماس الشاب تأكيداً لكلّ شكوكه: ثمّة مَن يبني أفكاراً عظيمة بيدٍ، ويوقّع على الجرائم بيدٍ أخرى.
في تشريح الفضاء العامّ
اشتُهر هابرماس بمفهوم «الكرة العامة» أو الفضاء العامّ — وهو ذلك الحيّز المستقلّ عن سلطة الدولة حيث يمكن للمواطنين النقاش بحرية، وهو في نظره ركيزة أيّ ديمقراطية حقيقية. بعد عقدين، جاء عمله الأضخم: «نظرية الفعل التواصلي» في مجلّدين عام 1981، التي تُعدّ اليوم أحد أسس النظرية النقدية في القرن العشرين.
يمكن اختزال فكرته الجوهرية على النحو الآتي: يرى هابرماس أنّ البشر يمتلكون قدرة «تواصلية» طبيعية — أي القدرة على الوصول إلى الحقيقة والعدل من خلال الحوار النزيه. أزمة الحداثة — في نظره — تكمن في أنّ عالَم القيم والعلاقات الإنسانية بات مُستعمَراً من قِبَل النظامَين الاقتصادي والبيروقراطي، اللذين يعملان بمنطق السوق والسيطرة لا بمنطق التفاهم.
الفكرة ليست معقّدة في جوهرها: حين نتحدّث مع أصدقائنا عمّا هو صواب وما هو خطأ، نحن لا نتبادل بضائع ولا نُنفّذ أوامر؛ نحن نتحاور. وهذا التحاور — إذا كان حرّاً ونزيهاً — هو الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه المجتمعات الحرّة.
ربما يُضيّع هذا العرض المختصر بعض التفاصيل، لكن يمكننا القول إنّ فلسفة هابرماس تتمحور حول ثلاث قضايا كبرى: الفعل التواصلي، والفضاء العامّ، والليبرالية الديمقراطية ما بعد العلمانية. وهو ما أدّى إلى أن تتحوّل أفكاره إلى ممارسات سياسية عملية في دعم أوروبا الموحّدة لما بعد القومية، وجعل الدولة الدستورية أساساً للشرعية السياسية.
الانتقادات
وُجِّه إلى هابرماس كثيرٌ من النقد منذ الثمانينيات؛ وإن كان فكره يستحقّ الاحترام، فإنّ الأمانة الفكرية تقتضي ذكر أبرز ما وجّهه إليه نظراؤه من فلاسفة.
١. فوكو والسلطة الخفية
في جدل شهير بينهما، رأى ميشيل فوكو أنّ هابرماس يتجاهل كيف أنّ السلطة تخترق كلّ خطاب إنساني بما فيه الخطاب «العقلاني». الإجماع الحرّ الذي يحلم به هابرماس وهمٌ — يقول فوكو — لأنّ العقل نفسه أداة تاريخية تُشكّلها السلطة قبل أن تتشكّل.
٢. ليوتار وموت السرديات الكبرى
رأى جان فرانسوا ليوتار في هابرماس أحد آخر حرّاس السرديات الكبرى. في عالَم ما بعد الحداثة، ليس ثمّة إجماع ممكن — ومحاولة فرض نموذج «الحوار العقلاني» الغربي على تنوّع جذري هي نوع من العنف المعرفيّ.
٣. فريزر والاستبعاد التاريخي
انتقدت نانسي فريزر في كتاباتها النسوية مفهوم «الكرة العامة» بوصفه تاريخياً فضاءً ذكورياً بورجوازياً استُبعدت منه النساء والعمّال والمهمّشون، وأنّ هابرماس لم يرَ هذا الاستبعاد بوضوح كافٍ في تحليله.
٤. اليوروسنترية
ذهب ناقدون ما بعد استعماريين، كالفيلسوف الأرجنتيني-المكسيكي إنريكي داسل، إلى أنّ نموذج هابرماس أوروبيّ المركز في جوهره، يفترض أنّ الحداثة الأوروبية العلمانية هي البوصلة التي ينبغي أن يسير العالم نحوها جميعاً.
آثاره في المجالات المختلفة
امتدّ أثر هابرماس إلى حقول معرفية متعدّدة: في علوم الاتصال من خلال فهم الخطاب اللغوي والاتفاق الجماعي؛ وفي العلوم الاجتماعية من خلال تفكيك البنية العقلانية للمجتمع الحديث؛ وفي الفلسفة السياسية من خلال إعادة تعريف مفهوم الشرعية الديمقراطية؛ فضلاً عن تأثيره في الدراسات الثقافية والقانون وعلم الأخلاق.
أهمّ أعماله
| # | العنوان بالعربية | السنة |
|---|---|---|
| [1] | التحوّل البنيوي للفضاء العامّ | 1962 |
| [2] | المعرفة والمصلحة الإنسانية | 1968 |
| [3] | نظرية الفعل التواصلي (مجلّدان) | 1981 |
| [4] | بين الوقائع والمعايير | 1992 |
| [5] | بين الطبيعانية والدين | 2005 |
عذر يصعب ردّه
أنا شخصياً لا أجد مفهومَي «العقل التواصلي» و«الكرة العامة» مقنعَين تماماً حين أتأمّل واقع الخطاب السياسي في أيّ بقعة من العالم. لكنّي حين أتذكّر من أين أتى هابرماس، أفهم لماذا آمن بما آمن.
تخيّل أنّك طفل في ألمانيا، ترى والدك يُهلّل لهتلر، وترى معلّميك يُدرّسون تفوّق عرق على عرق، وترى جيرانك يلوّحون بالرايات. ثمّ تكتشف في الخامسة عشرة من عمرك أنّ كلّ ذلك كان كذبة منظّمة قادت إلى مجزرة إنسانية غير مسبوقة. من يخرج من هذه التجربة بعقله وروحه سالمَين، هل يُلام أن يحلم بعالَم يتفاهم بدلاً من أن يتقاتل؟
الفيلسوف ابن سياقه قبل أن يكون ابن منطقه. هابرماس رأى بعينيه ما يحدث حين يصمت الحوار، وقد شكّل إدراكه لعام 1945 باعتباره «نقطة تحوّل» رؤيتَه السياسية والثقافية بأسرها. لهذا بنى نظرية جعل فيها الحوار الحرّ شرطاً لأيّ حضارة جديرة بهذا الاسم. ربّما كان مثالياً — بل كان مثالياً بالتأكيد — لكنّ المثالية في مواجهة الهولوكوست ليست ترفاً فكرياً، بل هي نوع من المقاومة.
برحيل هابرماس اليوم، ترسم يدُ القدر نهاية عصر المدرسة النقدية الأوروبية الكبرى وما بعد الحربين العالميّتين في الفلسفة الاجتماعية والسياسية. وبذلك شكّل أطول جسر بين المدرسة النقدية الكلاسيكية والفكر المعاصر. نشرت دار سوهركامب أعماله منذ الستينيات، وتُرجمت إلى أكثر من أربعين لغة، ولا تزال تتردّد صداها حول العالم في الفلسفة وعلم الاجتماع والنظرية القانونية والفكر السياسي.
أختم بما قاله هو عن تجربة طفولته وعلاقته باللغة: «صورة الإنسان في العالَم تُعبّر عن حدسي العميق بالتبعية المتبادلة الجذرية بين شخص وآخر». لم يقل: اللغة أداة إقناع أو سلاح خطاب. قال: تبعية متبادلة. شيء يجمعنا لكي نكون.
ربّما هذا ما يعجبني في هابرماس رغم كلّ تحفّظاتي: أنّه آمن — بثبات مزعج — بأنّ البشر قادرون على التوافق. في عالَمنا الذي يزداد صخباً وانقساماً، حتّى وهمُ المتفائل يستحقّ بعض الاحترام.
المراجع — عناوين الأعمال بلغاتها الأصلية
- [1] Strukturwandel der Öffentlichkeit — يورغن هابرماس، 1962 (ألماني)
- [2] Erkenntnis und Interesse — يورغن هابرماس، 1968 (ألماني)
- [3] Theorie des kommunikativen Handelns — يورغن هابرماس، 1981 (ألماني)
- [4] Faktizität und Geltung — يورغن هابرماس، 1992 (ألماني)
- [5] Zwischen Naturalismus und Religion — يورغن هابرماس، 2005 (ألماني)
