Walter Stace

ولتر ستيس | الفيلسوف الذي عبر الحدود

|

الدين لم يعد شأناً روحياً خاصاً. اليوم يُصاغ سياسياً ويُباع كسلعة. ولتر ستيس، الفيلسوف البريطاني الذي رحل عام 1967، أمضى حياته يطرح الأسئلة التي قد تُنقذنا من هذا الارتباك — لو أردنا الاستماع.

ولتر ستيس وضرورة “الفلسفة الخالدة” في عالمٍ فقد بوصلته

أولاً: دينٌ يتشكّل ويُعاد تشكيله

لم يعد خافياً على أحدٍ منا أن الدين، بوصفه منظومةً من المعتقدات والممارسات والانتماء الروحي، يمرّ اليوم بتحوّلٍ لافتٍ وخطير: فهو آخذٌ في التحوّل من حاجةٍ إنسانيةٍ داخليةٍ إلى أداةٍ سياسيةٍ مرنة، تُصاغ وتُعاد صياغتها وفقاً لمقتضيات النظام الدولي لا وفق مقتضيات الضمير والروح.

انظروا إلى أفغانستان: في مطلع الألفية الثالثة شنّت القوى الغربية الكبرى حربها على حركة طالبان مستندةً إلى خطاب حقوق الإنسان وحرية المرأة والحضارة مقابل “الظلامية”. وفي عام 2021 انسحبت تلك القوى ذاتها من كابول، وأُعيدت طالبان إلى السلطة، وسارعت دولٌ كثيرةٌ إلى إقامة علاقاتٍ مع نظامٍ لم يتغيّر فكرياً بشيءٍ. (1) الحرب إذن لم تكن على البنية الدينية بل على الموقع الجيوسياسي. الدين كان ذريعةً، والآن لا حاجة إليه.

وانظروا إلى إيران التي يُوصف نظامها بالثيوقراطي المتشدد حين يتعلق الأمر بالضغط الغربي، لكنه يتحوّل إلى “نظام استقرار إقليمي” حين يقتضي الحساب الاستراتيجي التفاهم معه. (2) والحال ذاته مع السعودية التي صدّرتْ أيديولوجيا دينيةً بعينها إلى أربع رياح الأرض، فكان لها صمتٌ غربيٌ مريحٌ لعقود. (3) الدين هنا لا يُقاس بما يقوله نصّه بل بما يُقدّمه لطاولة المصالح.

نقول هذا لا من باب السخرية المجانية، بل لأننا نؤمن أن الإشارة إلى هذه الحقيقة ضرورةٌ فكريةٌ سابقةٌ لأيّ محاولةٍ لإعادة الحديث عن الدين من حيث ينبغي أن يُفهم: أي من حيث هو تجربةٌ داخليةٌ وحاجةٌ إنسانيةٌ عميقةٌ تسبق كل بيانٍ سياسي وتتجاوزه. هذا بالضبط ما عمل له ولتر ستيس طوال حياته، وهذا ما يجعل إعادة تقديمه ضرورةً راهنةً لا إحياءً أكاديمياً فحسب.

وللدين اليوم وجهٌ ثالثٌ لا يقلّ إشكالاً: لقد أصبح سلعةً استهلاكية. في الغرب ازدهرت صناعة “الروحانيات” بمليارات الدولارات: من تطبيقات التأمل المدفوعة، إلى رحلات اليوغا السياحية، إلى تعاليم الوعي الذاتي على منصات التواصل الاجتماعي. وفي العالم الإسلامي تحوّلت برامج المشايخ إلى “محتوىً رقمي” خاضعٌ لمنطق المشاهدات والخوارزميات. الدين يُسوَّق، والروح تُشترى على أقساط. وفي هذا المشهد بالذات يبدو ستيس، ذلك الفيلسوف البريطاني الذي مضى على وفاته ستة عقود، أكثر حداثةً وإلحاحاً مما كان في حياته.

ثانياً: الفلسفة ومنتصف القرن العشرين — عصرٌ انقضى

ثمة حقيقةٌ لا يُسعفنا عليها التاريخ الفلسفي دائماً: أن منتصف القرن العشرين شهد ظاهرةً لافتةً في الفلسفة الغربية، هي إنتاج فلاسفةٍ كبارٍ قادرين على التحدث عبر الحدود: حدود التخصص، وحدود الأديان، وحدود الحضارات. لم تكن هذه مصادفةٌ، بل كانت استجابةً لسؤالٍ وجوديٍ حقيقيٍ طرحته الحرب العالمية الثانية بكل ضراوتها: إذا كانت الحضارة الغربية المتعلمة المتديّنة قادرةً على إنتاج هذا الدمار، فما الذي أخطأناه، وأين الخيط المشترك الذي يربط البشرية ويمنعها من الانتحار الجماعي

هنري برغسون (4) لم يكن مجرد فيلسوف التطور والحيوية؛ كان في آخر أعماله “منابع الأخلاق والدين(5) يُقدّم للعقل الغربي الذي أنهكته الحرب مفهوم “الدين المفتوح” أي الذي تتجاوز روحه إطاره التاريخي لتلامس الكوني. وحين اختار برغسون عام 1941 في أيامه الأخيرة أن يسجّل نفسه يهودياً رغم إعفائه من قوانين فيشي النازية، كان يُجسّد فلسفته لا يكتبها فحسب. مات ذلك العام وكأن المرحلة التي مثّلها أُسدل عليها الستار.

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، كان ويليام جيمس (6) قد أرسى قبل ذلك بعقودٍ منهجَ دراسة التجربة الدينية على نحوٍ تجريبيٍ بعيدٍ عن العقائدية، في كتابه الذي صار مرجعاً: “أنواع التجربة الدينية“. (7) وكانت كتب الدراما الفلسفية لهذه المرحلة تُشكّل مكتبةً متكاملة تنتظر من يواصلها.

ثم جاء ما بعد الحرب وأعاد رسم الخريطة: صار الفيلسوف الغربي أكثر تواضعاً ـ أو أكثر احتياطاً ـ في خوض الأفكار الكبرى. مشروع إعادة إعمار أوروبا اقتضى لغةً مؤسسية: القانون الدولي، والمؤسسات الأممية، واتفاقيات بريتون وودز، والتكتلات الاقتصادية. الفلسفة طُلب منها أن تُعطي شرعيةً للبنى القائمة لا أن تُسائلها من مرتفع الروح والمعنى.

هكذا بدأ العصر الذي نعيشه: عصر التخصص المُفرط. في الجامعات الغربية اليوم، متخصصٌ في الصوفية المسيحية الوسيطة لا يشعر بأنه مُلزَمٌ بقراءة ابن عربي، ومتخصصٌ في الفيدانتا الهندوسية قد يعتبر الاقتراب من التصوف المسيحي اختراقاً لحدوده الأكاديمية. التخصص نعمةٌ في العمق، لكنه نقمةٌ في الأفق. والفلسفة التي تُعنى بما هو مشتركٌ بين البشر تجد نفسها في منطقةٍ لا أحد يتبناها.

هذا المناخ هو الذي جعل من حوله ولتر ستيس، وهو الذي جعل مشروعه الفلسفي كامل الأهمية وناقص الانتشار في آنٍ واحد.

ثالثاً: ولتر ستيس — السيرة والمشروع

بين كولومبو وبرينستون: سيرة عابرة للحدود

وُلد ولتر تيرنس ستيس (8) في لندن عام 1886 لعائلةٍ عسكريةٍ بريطانيةٍ كان من المُقدَّر أن تُملي عليه مساره في الحياة. تخرّج من كلية ترينيتي في دبلن حاملاً خلفيةً فلسفيةً متينةً درس فيها هيغل (9) وكانط (10) وغيرهما، ثم التحق بالخدمة المدنية البريطانية ليجد نفسه في جزيرة سيلان ـ سريلانكا اليوم ـ حيث قضى اثنين وعشرين عاماً (1910-1932).

لم تكن تلك السنوات في الجزيرة استراحةً استعمارية. كانت مختبراً غير مقصودٍ لمشروعه الأكبر. في الشرق اكتشف ستيس الهندوسية والبوذية، ورأى في المتصوفين الهنود والسنهاليين تجاربَ يعرف مثيلها من كتبه عن الصوفية الغربية. بدأ يتساءل: هل ما يصفه الراهب البوذي في لحظة التنوير هو ذاته ما وصفه القديس يوحنا الصليب والراهبة ميستر إيكهارت؟ وإذا كان الجواب نعم، فهذا يعني شيئاً جوهرياً عن طبيعة الإنسان والوعي. لا يزال في كولومبو شارعٌ يحمل اسمه حتى اليوم.

Sir Lanka, Kuala Lumpur, Stace Street

في عام 1932 انتقل إلى جامعة برينستون الأمريكية (11) أستاذاً للفلسفة، وصار عام 1949 رئيساً للجمعية الفلسفية الأمريكية (الفرع الشرقي). ومن طرائف التاريخ الفلسفي أن جون راولز (12) صاحب أشهر نظرية في العدالة السياسية في القرن العشرين كان طالباً من طلاب ستيس في برينستون. توفي ستيس في أغسطس 1967 في كاليفورنيا.

مؤلفاته: ثلاث مراحل وخيطٌ واحد

يمكن قراءة مسيرة ستيس الفكرية عبر ثلاث مراحلٍ متمايزةٍ تبدو متباعدةً لأول وهلةٍ، لكنها في الحقيقة تسير بخيطٍ واحدٍ نحو هدفٍ واحد: فهم طبيعة الوعي الإنساني حين يتجاوز حدود العقل الاستدلالي.

المرحلة الأولى: البناء الفلسفي الأساسي

بدأ ستيس بشرح تاريخ الفلسفة اليونانية (13) في كتاب كتبه فجراً على أرض سيلان قبل انطلاق يوم عمله الحكومي. ثم قدّم شرحاً منهجياً لفلسفة هيغل (14) كان له الفضل في لفت نظر جامعة برينستون إليه. وأتبعه بكتابٍ في الجماليات عن معنى الجمال (15) رأى فيه أن التجربة الجمالية الحقيقية تُلامس ما تُلامسه التجربة الصوفية: إحساسٌ بالوحدة يتجاوز الوصف المنطقي.

أما كتابه الأكاديمي الأكثر صرامةً فهو نظرية المعرفة والوجود (16) الصادر عن مطبعة أكسفورد. وهو كتابٌ محوريٌ لأنه يُظهر لماذا وصل ستيس التجريبي إلى التصوف لا إلى الإلحاد: حين اكتشف أن المنهج التجريبي الصارم لا يستطيع وحده أن يُثبت وجود عالمٍ خارجيٍ بما يكفي لإقناع شكّاكٍ حقيقي، وجد أن ثمة وجهاً من وجوه الواقع يقاوم المنهج التجريبي دون أن ينفيه. من هناك فتح باب التجربة الباطنية.

المرحلة الثانية: الإنسان في مواجهة التاريخ

في كتابه عن مفهوم الأخلاق (17) جادل ستيس بأن الأخلاق ليست مجرد عرفٍ اجتماعيٍ ولا إملاءً إلهياً تعسفياً، بل هي مُستمدّةٌ من طبيعة الوعي الإنساني ذاته. وفي مصير الإنسان الغربي (18) ـ الذي كتبه في خضم الحرب ـ ذهب إلى أن أزمة الغرب هي في جوهرها أزمة فلسفية: حين تخلّت الحضارة عن مفهوم الطبيعة الإنسانية الثابتة لصالح النسبية المطلقة، فتحت الباب أمام الطغيان.وأبرز ما كتبه في هذه المرحلة مقالةٌ نُشرت في مجلة “الأتلانتيك” الأمريكية (19) وأحدثت جدلاً واسعاً، قال فيها إن العلوم الحديثة منذ غاليليو (20) أفضت إلى صورة للكون لا مكان فيها للغاية أو المعنى أو الإله. وبدلاً من أن يدعو الناس إلى الوهم الديني المريح، دعاهم إلى مواجهة هذا الظلام بصدق. أشار المؤرخ ريتشارد ماريوس (21) إلى أن هذه المقالة أسهمت في تزعزع إيمانه الشخصي حين قرأها في شبابه. وهذا يكشف جانباً مهماً من ستيس: لم يكن يكتب للأكاديميين فحسب بل للإنسان القلق أمام أسئلة الوجود.

المرحلة الثالثة: التصوف فلسفةً لا دياناً

الكتاب الأعمق في مسيرته هو الزمان والأزل (22) الذي تناول فيه إشكالية العلاقة بين اللحظة الزمنية الإنسانية والأبدية الإلهية. يستعين فيه بمفهوم “اللحظة الخالدة” التي يحياها المتصوف خارج الزمن الخطي، ويُناقش ما أسماه الإلهية السلبية (أي ما يمكن قوله عن الله من حيث ما ليس عليه) والإيجابية (ما يمكن تأكيده). وقد صدر الكتاب بترجمةٍ عربيةٍ جيدة.

وفي كتابه الدين والعقل الحديث (23) جادل بأن العلم والدين لا يتناقضان حين نُدرك أن لكلٍ منهما مجاله: العلم يتناول الظواهر القابلة للقياس، والدين يتناول تجربةً باطنيةً لا يصلح لها القياس الخارجي بطبيعته.

أما خلاصة مشروعه الكبير فكانت في كتابين ظهرا معاً عام 1960: التصوف والفلسفة (24) وتعاليم الصوفيين. (25) في الأول أرسى ستيس منهجاً فلسفياً لمقارنة التجارب الصوفية عبر الحضارات، ومفرقاً بين نوعين: التجربة الصوفية الانبساطية التي تجد الوحدة في الطبيعة الخارجية، والانقباضية التي تصل إليها عبر التأمل الداخلي الصامت. وفي الثاني جمع مختاراتٍ موثّقةٍ من النصوص الصوفية في كل الحضارات الكبرى، موفّراً بذلك أرشيفاً مُقارناً نادراً.

رابعاً: الاعتراض البنائي — نقاشٌ لم يُحسم

لم تمرّ أطروحة ستيس عن جوهر الأديان المشترك دون تحدٍّ فكري جدي. في الثمانينيات قاد الفيلسوف الأمريكي ستيفن كاتز (26) تياراً سمّي بالبنائية، مفاده أن التجربة الصوفية ليست واحدةً عبر الثقافات كما يزعم ستيس، بل هي مُشكَّلةٌ في كل جزءٍ منها بالسياق الثقافي والديني والتدريب الروحي. بمعنى آخر: ما يختبره الراهب البوذي في جلسته التأملية هو من حيث المحتوى الفعلي تجربةٌ بوذيةٌ خالصة، لا تشابه تجربة الصوفي المسيحي إلا في القشرة اللفظية حين يُترجم كلاهما إلى الإنجليزية.

الحجة قويةٌ على المستوى المنهجي، وقد أربكت كثيراً من المدافعين عن ستيس. لكن ثمة ثغرةً حقيقية فيها يستحق أن نُشير إليها:

إذا كانت التجربة الصوفية مُشكَّلة بالثقافة على نحوٍ كاملٍ، فكيف نُفسّر أن متصوفين لم يتواصلوا وُلدوا في ثقافاتٍ لم تتحاور يصفون ما يصفونه بتشابهٍ لافتٍ؟ ابن عربي لم يقرأ مستر إيكهارت، والمتصوف الصيني لاو تزي لم يسمع بالرومي. هل هو توافقٌ المتخيَّل الإنساني، أم توافق التجربة

قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ

وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآنِ — ابن عربي، ترجمان الأشواق

Ibn Arabi

هذه الأبيات تُشكّل بحدّ ذاتها دليلاً مثيراً على ما يدور النقاش حوله: متصوفٌ إسلاميٌ كبيرٌ (27) يصف بلغته هو ـ لا بلغة ستيس ولا بلغة كاتز ـ تجربةَ تجاوز الحدود الدينية من الداخل. الفيلسوف روبرت فورمان (28) لاحظ أن كاتز يُثبت ما يدّعيه بالافتراض المسبق لا بالدليل: إذ يستحيل في منهجه أصلاً إثبات وجود تجربةٍ مشتركةٍ لأنه يُعيد كل وصفٍ إلى سياقه الثقافي، وبذلك يجعل السؤال غير قابلٍ للاختبار.

أما رالف هود (29) فقدّم في مطلع الألفية الثالثة دراساتٍ نفسيةٍ تجريبيةٍ أيّدت التمييز الذي أجراه ستيس بين التجربة والتأويل: المتصوفون في ثقافاتٍ مختلفةٍ يصفون تجربة الوحدة ذاتها، لكنهم يُفسّرونها بأطرٍ ثقافيةٍ مختلفة. وهذا الفصل بين التجربة وتأويلها هو تحديداً ما أسّسه ستيس.

الخلاصة أن النقاش لم يُحسم لصالح أيٍّ من الطرفين، وربما طبيعته تقتضي ألا يُحسم بالأدوات المنطقية وحدها. وهذا يُعيدنا إلى ستيس ذاته الذي كان يُدرك هذا الحد وكان يُلحّ على أن التجربة الصوفية تتجاوز بطبيعتها ثنائيات الصواب والخطأ في منطقنا العادي.

خامساً: هل فقد الغرب روحه؟ ثلاث زوايا

لا يمكن إنصاف ستيس وأهمية مشروعه اليوم دون طرح السؤال المحرج الذي تبتعد منه الأكاديميا الغربية عادةً: هل الغرب المنتصر اقتصادياً وتكنولوجياً يعيش في الوقت ذاته أزمةً روحيةً حقيقيةً؟ ونطرح هذا السؤال من ثلاث زوايا متعارضة.

الزاوية الأولى: الغرب بخير — ولا حاجة إلى الروح

المؤشرات الموضوعية تقول إن الغرب يسير على ما يُرام: ارتفع العمر المتوقع، وتراجعت الفقر المدقع، وانتهت الحروب بين دوله الداخلية منذ 1945، وتوسّعت الحريات الفردية. وقد ذهب بعض الفلاسفة العلمانيين إلى أن البشرية لا تحتاج إلى ما هو غيبيٌ لتنظيم حياتها الأخلاقية: القانون والعقد الاجتماعي والمصلحة المشتركة يكفون. بل إن نيتشه ذاته الذي بشّر بموت الإله لم يكن يدعو إلى العدمية بل كان يدعو إلى إنسانيةٍ تحمل قيمها بنفسها دون احتياجٍ للسند الميتافيزيقي.

الزاوية الثانية: البيانات تقول عكس ذلك

لكن بيانات أخرى تُعقّد هذه الصورة الوردية. بريطانيا أنشأت وزارةً لمكافحة الوحدة (30) لأن وباء الوحدة بات مُكلِّفاً صحياً واقتصادياً. ومعدلات الاكتئاب والقلق والإدمان ترتفع في الغرب بالتوازي مع ارتفاع مؤشرات الرفاه المادي لا بدلاً منه. وهذا بالضبط ما تتنبأ به نظرية التحقق الذاتي لأبراهام ماسلو (31): الإنسان حين يُشبع حاجاته الدنيا لا يتوقف بل يبحث عن معنى أعمق، وغياب المسار الروحي يُفضي إلى فراغ الوجود الذي وصفه فيكتور فرانكل (32) من داخل معسكرات الإبادة.

الزاوية الثالثة: الروح بلا فلسفة

الزاوية الأكثر إثارةً للتأمل هي هذه: الغرب لم يَفقد روحه بقدر ما شتّتها. انفجرت صناعة اليوغا والتأمل والعقاقير النفسانية منذ التسعينيات في ارتفاعٍ لافت، وباتت تشكّل مليارات الدولارات سنوياً. لكنها روحٌ بلا فلسفة: تجاربٌ بلا إطارٍ معرفي، ومشاعرٌ بلا منهجٍ نقدي. والفارق بين الروح مع فلسفةٍ والروح بدون فلسفةٍ هو تحديداً الفارق الذي كان ستيس يُجسّده. لم يكن يدعو إلى ترك التجربة الصوفية لأنها غير قابلةٍ للاختبار العلمي، ولم يكن يدعو إلى قبولها بتسليمٍ أعمى. كان يقول: دعونا نضع التجربة الإنسانية الكبرى أمام الأسئلة الفلسفية الصارمة ذاتها التي نضعها أمام أي ظاهرةٍ أخرى. والنتيجة ستُفاجئكم.

سادساً: ملاحظة القارئ العربي

لا يسعنا ونحن نُقدّم ستيس للقارئ العربي أن نُغفل ملاحظةً تكررت في أكثر من موضعٍ: ستيس كاتبٌ واسع الأفق حين يتعلق الأمر بالتصوف الهندوسي والبوذي والمسيحي، لكن معرفته بالتصوف الإسلامي كانت أضيق مما ينبغي قياساً بمكانته فيه وثرائه.

لعلّ أكثر ما يستوقفنا في هذا الصدد أنه حين يتناول التصوف الإسلامي يستشهد في الغالب بالغزالي والرومي. والغزالي، رغم عظمته، يُعدّ في تاريخ التصوف الإسلامي ظاهرةً خاصةً تنتمي إلى تيار التوفيق بين الشريعة والتصوف وليس تمثيلاً نموذجياً للتجربة الصوفية الخالصة. أما الرومي فشخصيةٌ وصلت الغربَ في ثوبٍ شعريٍ جماليٍ تحكّم في تقديمه مترجمون بعينهم، فصار في الوعي الغربي أقرب إلى رمزٍ إلهاميٍ منه إلى متصوفٍ بالمعنى الدقيق.

وما يكشف هذا القصور بوضوحٍ هو مُطالعة الهوامش في الترجمات العربية لكتبه: ستجد المترجمين العرب يُسارعون إلى استدراك ما يستدعي الاستدراك، مُشيرين إلى أن ستيس يتجاهل ابن عربي في أحيانٍ كثيرةٍ تجاهلاً لافتاً رغم أن ابن عربي هو من أسّس أعمق بنيةٍ نظريةٍ للتصوف الإسلامي وهو القائل بوحدة الوجود على نحوٍ يتحدى كل التصنيفات. ويتجاهل النِّفّري وأبا يزيد البسطامي والحلاج في حضور أسماءٍ من التصوف المسيحي أقل أهميةً موضوعياً.

ومع ذلك، لم يمنع هذا القصورُ القارئَ العربي المعتاد على الكتاب من الاستمتاع بالكتاب والإفادة منه، بل ربما فتح له شهيةً إضافية: أن يعود إلى تراثه الصوفي الخاص وهو مُسلّحٌ بأسئلةٍ فلسفيةٍ لم يكن ليطرحها لولا ستيس. وهذا في حد ذاته نتيجةٌ تُحسب له لا عليه.

خاتمة: الروح ليست سلعة

عدنا إلى حيث بدأنا: الدين اليوم مُعرَّضٌ لخطرين متوازيين. الأول هو تحويله إلى أداةٍ سياسية، حيث يكتسب شرعيته من النظام الدولي لا من قيمته الجوهرية. والثاني هو تحويله إلى سلعةٍ استهلاكية، حيث يُباع كل يومٍ في عبواتٍ أصغر وبتجاربٍ أسرع وبضمانٍ أقصر.

وضد هذين الخطرين معاً كان مشروع ستيس يقف، وإن لم يكن يُسمّيهما بهذا الاسم. كان يقول في كل ما كتب: التجربة الروحية الحقيقية لا يملكها دينٌ واحد، ولا يستطيع احتكارها نظامٌ سياسي، ولا يمكن أن تُختزل في منتجٍ ترفيهي. هي في جوهرها تجاوزٌ للحدود: حدود الهوية، وحدود الأنا، وحدود اللغة. وهذه بالذات هي ما يحتاجه عالمٌ يتمزق بحروب تُرفع فيها الرايات الدينية لخدمة أجندات لا علاقة لها بالله ولا بالروح.في عالمٍ يتعلّم شعبٌ ما اليوم أن يكره شعباً آخر باسم الله، وفي عالمٍ يُقيّم فيه الناس تجاربهم الروحية بعدد الإعجابات، يبدو ستيس بأسئلته الكبيرة ومنهجه الصبور أكثر ضرورةً مما كان. ليس لأنه يملك الإجابات، بل لأنه يملك الأسئلة الصحيحة.وتبقى الفلسفة الخالدة (33) التي جسّدها في مشروعه خياراً فكرياً لم يُستنفَد: ليست دعوةً لدمج الأديان ولا لمحو الخصوصيات الثقافية، بل هي القدرة على الاستماع إلى ما يشترك فيه البشر في أعماقهم من دون أن نُلغي ما يُميّز كل واحد منهم على السطح. وهذا التوازن تحديداً هو ما تفتقده الأيديولوجيات الكبرى اليوم: العولمة التي تُنمّط الأسطح دون أن تمسّ الأعماق، والهويات المغلقة التي تتمسك بالأعماق وتمنع أي تواصلٍ على السطح.

المراجع ودليل الأعلام والمصطلحات

أولاً: مصادر المقال

أ (1) حركة طالبان: حركة إسلامية أفغانية أعادت السيطرة على أفغانستان عام 2021 عقب الانسحاب الأمريكي. المصدر: وثائق الأمم المتحدة ووكالة رويترز، 2021.

ب (2) الجمهورية الإسلامية الإيرانية: النظام السياسي الذي قام عقب ثورة 1979 ولا يزال موضع تذبذب في التعاطي الغربي معه. المصدر: تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش.

ج (3) عن تصدير الأيديولوجيا الدينية من الخليج العربي:

Hegghammer, T. (2017). Jihad in Saudi Arabia. Cambridge University Press.

د (4) برغسون، هنري : فيلسوف فرنسي يهودي، حائز نوبل للآداب 1927. من أبرز فلاسفة الحياة والزمان في الغرب الحديث.

(Henri Bergson 1859-1941)

هـ (5) برغسون. منابع الأخلاق والدين

و(6) جيمس، ويليام: فيلسوف وعالم نفس أمريكي، مؤسس المذهب البراغماتي، وأول من قارب التجربة الدينية مقاربةً نفسية فلسفية منهجية.

(William James 1842-1910)

ز(7) جيمس، ويليام. أنواع التجربة الدينية. من أبرز المراجع في فلسفة الدين حتى اليوم

ح (8) ستيس، ولتر تيرنس: فيلسوف بريطاني. أستاذ الفلسفة في جامعة برينستون 1932-1955. رئيس الجمعية الفلسفية الأمريكية (الفرع الشرقي) 1949.

(Walter Terence Stace 1886-1967)

ط (9) هيغل، غيورغ فيلهلم فريدريش: فيلسوف ألماني. يُعدّ من أكبر بنّائي المنظومات الفلسفية في تاريخ الغرب. من أبرز مفاهيمه: الجدل (أطروحة ونقيض وتركيب) والروح المطلقة.

(Georg Wilhelm Friedrich Hegel 1770-1831)

ك (10) كانط، إيمانويل: فيلسوف ألماني، صاحب “نقد العقل الخالص”. أسس للفلسفة النقدية وفرّق بين العالم المنظور والشيء في ذاته.

(Immanuel Kant 1724-1804)

ل (11) جامعة برينستون: جامعة أمريكية عريقة أُسست 1746، تقع في ولاية نيوجيرسي.

م (12) راولز، جون : فيلسوف سياسي أمريكي، صاحب نظرية العدالة، وهي من أكثر الكتب الفلسفية تأثيراً في القرن العشرين.

(John Rawls 1921-2002) (A Theory of Justice, 1971)

ن (13) ستيس. تاريخ نقدي للفلسفة اليونانية

س(14) ستيس. فلسفة هيغل: عرض منهجي

ع(15) ستيس. معنى الجمال: نظرية في الجماليات

ف(16) ستيس. نظرية المعرفة والوجود

ص(17) ستيس. مفهوم الأخلاق. الأصل: 1937. صدر بالعربية بترجمة نبيل باسيليوس عن دار آفاق للنشر

ق(18) ستيس. مصير الإنسان الغربي. 1942

ر(19) مجلة “الأتلانتيك” الأمريكية: دورية أمريكية أدبية وفكرية تأسست 1857. نشرت مقالة ستيس “الإنسان في مواجهة الظلام عام 1948

ش(20) غاليليو غاليلي: عالم إيطالي يُعدّ مؤسس الفيزياء الحديثة، وأسّس المنهج التجريبي الذي أطاح بالرؤية الأرسطية للكون

(Galileo Galilei 1564-1642)

ت(21) ماريوس، ريتشارد: مؤرخ وروائي أمريكي، أستاذ في جامعة هارفارد. ذكر في مذكراته تأثير مقالة ستيس على تزعزع إيمانه

ث(22) ستيس. الزمان والأزل: مقالة في فلسفة الدين.1950

خ(23) ستيس. الدين والعقل الحديث. الأصل:1952

ذ(24) ستيس. التصوف والفلسفة. 1960.

ض(25) ستيس. تعاليم الصوفيين.1960

غ(26) كاتز، ستيفن: فيلسوف أمريكي أكاديمي. حرّر مجلداً بالغ الأثر، وضع فيه التحدي الأساسي لأطروحة ستيس عن وحدة التجربة الصوفية

(Steven Katz) Mysticism and Philosophical Analysis, 1978

ظ(27) ابن عربي، محيي الدين (1165-1240): فيلسوف وصوفي أندلسي. صاحب نظرية وحدة الوجود. من أبرز أعماله: الفتوحات المكية وفصوص الحكم. يُعدّ من أعمق منظّري التصوف الإسلامي.

ظ(28) فورمان، روبرت : فيلسوف وباحث أمريكي في التجربة الدينية. حرّر كتاباً رداً على كاتز.

(Robert Forman) The Problem of Pure Consciousness, 1990

ظ(29) هود، رالف : عالم نفس ديني أمريكي في جامعة تينيسي. طوّر مقياساً نفسياً تجريبياً دعم فيه تمييز ستيس بين التجربة والتأويل

(Ralph Hood) (Mysticism Scale)

ظ(30) أنشأت المملكة المتحدة منصب وزير الوحدة عام 2018 تحت رئاسة تيريزا ماي، معترفةً بالوحدة بوصفها أزمة صحية وطنية

ظ(31) ماسلو، أبراهام: عالم نفس أمريكي. صاحب هرم الحاجات الإنسانية الشهير، الذي يضع في قمته “تحقيق الذات” ثم “ما وراء الذات” في مراحله المتأخرة

(Abraham Maslow 1908-1970)

ظ(32) فرانكل، فيكتور: طبيب نفسي نمساوي وناجٍ من المحرقة النازية. صاحب العلاج بالمعنى كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى” من أكثر الكتب انتشاراً في القرن العشرين.

(Viktor Frankl 1905-1997) (Logotherapy)

ظ(33) الفلسفة الخالدة: تيار فلسفي روحي يرى أن جوهراً واحداً يسري في كل الأديان والتقاليد الروحية الكبرى. برز المصطلح عند ليبنتز، وأحياه ألدوس هكسلي في كتابه بالاسم ذاته، وأعطاه ستيس أرسخ تأسيس فلسفي

(Perennial Philosophy) (The Perennial Philosophy, 1945)

ثانياً: للاستزادة

أ، ابن عربي. ترجمان الأشواق. تحقيق وتعليق د. عاصم إبراهيم الكيالي. دار الكتب العلمية، بيروت

ب، هكسلي، ألدوس. الفلسفة الخالدة. ترجمة: لجنة الترجمة بدار الكتاب

ج، جيمس، ويليام. أنواع التجربة الدينية. ترجمة د. حمزة طاهر. مراجعة د. مصطفى صبري

د، موسوعة ستانفورد للفلسفة. مدخل

Mysticism

هـ، فرانكل، فيكتور. الإنسان يبحث عن المعنى. ترجمة طلعت منصور. مكتبة الأنجلو المصرية

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *