A time-passing novel

يتيمية ابن زريق البغدادي «لا تعذليه»

|

قصيدة لا تعذليه لابن زريق البغدادي: تُعدّ هذه القصيدة اليتيمة لقائلها من أكثر نصوص الشعر العربي صدقاً وحزناً، وقد تجاوزت شهرتها سيرة صاحبها الغامضة لتصبح رمزاً للفراق والندم والحنين.

لا تعذليه! فإن العذل يولعهُ..  قد قلتِ حقاً، ولكن ليس يسمعهُ
جاوزتِ في نصحه حداً أضرّ بهِ..  من حيث قدّرتِ أن النصح ينفعهُ
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً.. من عذله، فهو مضنى القلب موجعهُ


قد كان مضطلعاً بالخطب يحملهُ.. فضيّقت بخطوب الدهر أضلعهُ
يكفيه من لوعة التشتيت أن لهُ.. من النوى كل يومٍ ما يروّعهُ
ما آب من سفرٍ إلا وأزعجهُ..  رأيٌ إلى سفرٍ بالعزم يجمعهُ
وكأنما هو في حلٍّ ومرتحلٍ..  موكّلٌ بفضاء الله يذرعهُ
إذا الزمان أراه في الرحيل غنىً.. ولو إلى السندِ، أضحى وهو يزمعهُ
تأبى المطامع إلا أن تجشّمهُ..  الرزق كدّاً، وكم ممّن يودّعهُ
وما مجاهدة الإنسان توصلهُ..  رزقاً، ولا دِعَة الإنسان تقطعهُ
قد وزّع الله بين الخلق رزقهمُ..  لم يخلق الله من خلقٍ يضيّعهُ
لكنهم كلّفوا حرصاً فلست ترى..  مسترزقاً وسوى الغايات تقنعهُ
والحرص في الرزق والأرزاق قد قُسمت.. بغيٌ، ألا إن بغي المرء يصرعهُ
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعهُ.. إرثاً، ويمنعه من حيث يطمعهُ
أستودع الله في بغداد لي قمراً.. بالكرخ من فلك الأزرار مطلعهُ
ودَّعتُه وبودّي لو يودِّعني..  صفو الحياة وإني لا أوَدِّعهُ
وكم تشبّث بي يوم الرحيل ضُحىً.. وأدمعي مستهلّاتٍ، وأدمعهُ
لا أكذب الله ثوب الصبر منخرقٌ..  عني بفرقته، لكن أرقّعهُ
إني أوسّع عذري في جنايتهِ..  بالبين عنه، وقلبي لا يوسّعهُ
رُزقتُ ملكاً فلم أحسن سياستهُ.. وكل من لا يسوس الملك يُخلعهُ
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا شكرٍ.. عليه، فإن الله ينزعهُ
اعتضتُ من وجه خلي بعد فرقتهِ..  كأساً أجرّع منها ما أجرّعهُ
كم قائلٍ لي ذقت البين قلت لهُ..  الذنب ذنبي، لست أدفعهُ
ألا أقمتُ فكان الرشد أجمعهُ.. لو أنني يوم بان الرشد أتّبعهُ
إني لأقطع أيامي وأنفدها..  بحسرةٍ من فؤادي تقطّعهُ
بمن إذا هجع النوّام بتّ لهُ..  بلوعةٍ منه ليلي لست أهجعهُ
لا يطمئن لجنبي مضجعٌ، وكذا..  لا يطمئن له مُذْ بُنتُ مضجعهُ
ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني بهِ.. ولا أن بي الأيام تفجعهُ
حتى جرى البين فيما بيننا بيدٍ..  عسراء تمنعني حظي وتمنعهُ
قد كنت من ريب دهري جازعاً فرقاً.. فلم أوقّ الذي قد كنت أجزعهُ
بالله يا منزل العيش الذي درست..  آثاره وعفت مذ بنت أربعهُ
هل الزمان معيدٌ فيك لذتنا..  أم الليالي التي أمضته ترجعهُ
في ذمة الله من أصبحت منزلهُ..  وجاد غيثٌ على مغناك يمرعهُ
من عنده لي عهدٌ لا يضيّعهُ..  كما له عهدُ صدقٍ لا أضيّعهُ
ومن يصدّع قلبي ذكره وإذا..  جرى على قلبه ذكري يصدّعهُ
لأصبرن لدهرٍ لا يمتّعني ..  به ولا بي في حالٍ يمتّعهُ
علماً بأن اصطبارى معقّب فرجاً..  فأضيق الأمر إن فكرت أوسعهُ
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا.. جسمي، ستجمعني يوماً وتجمعهُ
وإن تغلّ أحداً منا منيتهُ .. فما الذي بقضاء الله يصنعهُ؟

● ابن زريق البغدادي | ٤٢٠ هـ، ١٠٢٥ م.


○ تُعدّ هذه القصيدة اليتيمة لقائلها من أكثر نصوص الشعر العربي صدقاً وحزناً، وقد تجاوزت شهرتها سيرة صاحبها الغامضة لتصبح رمزاً للفراق والندم والحنين.

تتعدد الروايات حول ابن زريق البغدادي، فمنها أنه غادر بغداد متوجهاً إلى الأندلس طلباً للرزق، تاركاً زوجته أو ابنة عمه التي أحبها، وأنه قال قصيدته هذه في قرطبة بعد أن صُدّ عن بلاط الأمير، ثم وضعها تحت وسادته ومات كمداً ويأساً. وربما لم يكن ابن زريق شاعراً معروفاً أصلاً، لكن هذه القصيدة وحدها كانت كافية لتخلّد اسمه في الذاكرة العربية. لقد رأى فيها النقاد مثالاً نادراً على التقاء التجربة الحياتية القاسية مع التعبير الشعري الخالص، حتى قيل إن من حفظها فقد استكمل الظرف والأدب.

في العصر الحديث، أعاد الكاتب البحريني أحمد الدوسري إحياء هذه السيرة في روايته “ابن زريق البغدادي – عابر سنين”، حيث مزج بين التاريخ والخيال، وتابع أثر القصيدة بعد خمسين عاماً من وفاة صاحبها، في محاولة لفهم كيف يتحول الألم الفردي إلى أثرٍ إنسانيٍ خالد.

.. هكذا لم تعد “لا تعذليه” مجرد قصيدة غزلٍ حزينة، بل وثيقةً شعوريةً عن الغربة والاختيار والخسارة، وعن ذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان حين يظن أن الرحيل وحده كفيل بإنقاذه.

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *