سارة بارتمان

سارة بارتمان: حين يصبح الجسد شاشة عرض

|

قصة سارة بارتمان ليست مجرد مأساة تاريخية، بل مرآة تكشف كيف يمكن أن يتحول الإنسان إلى عرض — قديمًا عبر الجسد، واليوم عبر البيانات. بين قفص القرن التاسع عشر وقفص الخوارزميات المعاصر، يمتد سؤال واحد: متى يصبح الإنسان شيئًا؟

حكاية سارة بارتمان ليست مجرد فصلٍ مظلمٍ من القرن التاسع عشر، بل نموذجٌ مبكرٌ لما يحدث عندما يتحول الإنسان إلى عرضٍ. لقد كان يتم عرضها عاريةً أمام الجمهور، لا بوصفها امرأةٍ، بل بوصفها فرجةٍ. العري هنا لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل كان جوهر الفعل الاستغلالي: نزع الحماية عن الجسد وتحويله إلى مادةٍ للنظر.

القصة الحزينة لسارة بارتمان:

كانت حياة سارة بارتمان قصيرةً بما يكفي لتُنسى، وقاسيةً بما يكفي لتبقى. ليست قصتها حادثةً معزولةً في تاريخ قارةٍ أو حضارةٍ، بل مرآةٌ مكبّرةٌ لوجهٍ إنسانيٍّ عرفناه مراراً بأسماءٍ مختلفةٍ: العبودية أو الاستغلال.

Sarah Baartman and Venus the Hottentot.


وُلدت سارتجي في الجهة الشرقية من جنوب أفريقيا نحو عام ١٧٨٩، حيث أسرها مستعمرون هولنديون وهي ما تزال طفلة. أطلقوا عليها الاسم سارة لأن معنى سارتجي باللغة المحلية هو “سارة الصغيرة”. كتب أحد الأطباء وصفاً تفصيلياً وقحاً لجسدها، زاعماً أن ملامحها تؤكد الاعتقاد الأوروبي السائد آنذاك بالانحطاط الجنسي للمرأة السوداء[1].

وصل عرض البشر “الغريبين” إلى ذروته في القرن التاسع عشر في أوروبا وأمريكا. كانت الجماهير تدفع مبالغاً زهيدةً لمشاهدة أجسادٍ تُقدَّم بوصفها عجائباً بشرية. حتى بعض مثقفي العصر شاركوا في هذه الثقافة؛ فقد وصف الروائي تشارلز ديكنز الإنسان البدائي بأنه «شيءٌ من المفضل جداً إبعاده عن وجه الأرض»[2].

وصلت سارة إلى سيرك بيكاديلي في لندن عام ١٨١٠ حيث أُعلن عنها باسم “فينوس الهوتنتوت”. كانت تُعرض عاريةً داخل قفصٍ، وتُساق كما لو كانت حيواناً. حاول أعضاء الجمعية الملكية لمناهضة العبودية تحريرها، لكن المحكمة أعادتها إلى العروض.

في باريس، جذبت سارة اهتمام العالم الفرنسي جورج كوفييه، الذي رسمها في أوضاعٍ عاريةٍ لأغراضٍ “علمية”. كتب أحد الصحفيين الفرنسيين واصفاً حالتها:
«تتساقط الدموع من عينيها… إنها تقفز، تغني وتعزف على الطبل…»[3]

في إحدى الحفلات، وصفت سارة نفسها بعبارة موجزة ومؤثرة:
«اسمي سارة، سارة الحزينة جداً»[4]

بعد سنوات من الاستغلال، توفيت سارة شابة. قام كوفييه بتشريح جثمانها، وكتب:
«لم أرَ من قبل رأسًا بشريًا شبيهًا برأس القرد مثل رأس هذه المرأة»[5]


القصة الحزينة لسارة المعاصرة

إذا كان القرن التاسع عشر قد وضع سارة في قفصٍ مادي، فإن القرن الحادي والعشرين بنى أقفاصاً أقل وضوحاً. نحن نعيش اليوم في عالمٍ تُباع فيه البيانات الشخصية، وتُراقَب فيه السلوكيات الرقمية، وتتحول فيه الانتباهات البشرية إلى سلعةٍ اقتصادية. يمكن الحديث هنا عن شكلٍ من العبودية الرقمية الناعمة: ليس لأن البشر مقيّدون بالسلاسل، بل لأن حياتهم اليومية تُستخرج منها قيمةٌ اقتصاديةٌ هائلة، غالباً دون وعيٍ كاملٍ بحجم ما يُقدَّم.


«اسمي سارة، سارة الحزينة جداً»[4] — هذه الجملة لا تصف حزن امرأةٍ واحدةٍ فقط، بل آليةٌ كاملةٌ من نزع الإنسانية. لقد أصبح الجسد — واليوم البيانات — ملكاً للنظرة العامة والسوق.

اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي، يُعرض البشر طوعاً هذه المرة، لكن ضمن أنظمةٍ تشجّع على تحويل الذات إلى صورةٍ قابلةٍ للاستهلاك: ملفّاتٌ شخصية، إحصاءات إعجاب، وخوارزمياتٌ تُعيد ترتيب ما نراه وما نقوله. الفارق الجوهري أن المشاركة هنا اختياريةٌ ظاهرياً، لكنها تجري داخل بيئاتٍ صُممت بعنايةٍ لتوجيه السلوك. وهكذا يصبح السؤال الذي أثارته مأساة سارة — سؤال تحويل الإنسان إلى موضوع — حاضراً بصيغةٍ جديدة
لم يتوقف الأمر عند الجسد مع سارة القديمة، فقد تم تعميد سارة مسيحياً دون إرادتها، وكأن إعادة تسميتها دينياً جزءٌ من إعادة تشكيل هويتها لتناسب النظام الذي استغلها. كان ذلك فعلاً رمزياً يقول إن السلطة لا تكتفي بالتحكم في الجسد، بل تسعى أيضًا إلى إعادة كتابة المعنى الذي يحمله الإنسان عن نفسه.
هنا يصبح الماضي مرآةً غير مريحةٍ للحاضر. فنحن اليوم لا نُجبر على التعميد الديني، لكننا نُجبر عملياً على قبول شروط الاستخدام وسياسات الخصوصية للمنصات الرقمية. نضغط على “أوافق” دون قراءة، أو دون فهمٍ كامل لما نوافق عليه، ومن دون إمكانية فهمنا الكامل لما نوافق عليه. وكما أُعيد تعريف سارة داخل نظامٍ لم تختره، يُعاد تعريفنا نحن داخل أنظمةٍ رقميةٍ لا يمكننا المشاركة في الحياة المعاصرة دون المرور عبرها.
كتب بيري ساندرز أن الثقافة الحديثة تملك قدرةً استثنائيةً على تحويل البشر إلى مشاهدٍ بدل أن يكونوا ذواتاً حية؛ حين يصبح الإنسان مادةً للعرض، يفقد شيئاً من عمقه الداخلي ويُعاد اختزاله إلى سطحٍ قابل للاستهلاك[6]. هذا ما حدث لسارة حرفياً: لقد تحولت إلى سطحٍ يُقرأ ويُفسَّر ويُستهلك، بينما اختفت حياتها الداخلية خلف القفص.

العبودية الرقمية

تتجلى العبودية الرقمية في عدة صورٍ معاصرة. أولها اقتصاد البيانات، حيث تُستخرج القيمة الاقتصادية من سلوك المستخدمين دون مقابلٍ حقيقيٍ يتناسب مع حجم الاستفادة التجارية. وثانيها أنظمة التحقق الإجباري للهوية، التي تجعل المشاركة في الفضاء الرقمي مشروطة بتقديم وثائق وصور ومعلومات حساسة. وثالثها ثقافة العمل عبر المنصات، حيث يخضع العمال لخوارزميات تقييم ومراقبة مستمرة تحدد فرصهم في العمل دون شفافية كافية.

في كل هذه الحالات، لا يُنظر إلى الإنسان بوصفه كياناً كاملاً، بل بوصفه مصدر بياناتٍ أو وحدة إنتاج. في الواقع، ما يزال الكثير من البشر لا يدركون القيمة الحقيقية لبياناتهم، ويظهر هذا في السلوك العام عند تنبيه خبراء الأمن السبراني من وجود تسريبات معينة في أحد المواقع، فلسان العامة: “ليس هنالك لدينا أسرار نخاف منها” وهم يتحدثون عن صورهم، أصواتهم، محادثاتهم، التي تعكس كينونتهم، والتي لا يمكن توليدها افتراضياً بالمجان أبداً.

الفارق بين قفص سارة والقفص الرقمي المعاصر ليس في وجود الاستغلال من عدمه، بل في درجة ظهوره. قفصها كان مرئيًا للجميع؛ أقفاصنا اليوم مدمجة في البنية التحتية للحياة اليومية.
وقصة سارة القديمة أو المعاصرة، تكشف استمرارية فكرة واحدة: أن السلطة تميل دائمًا إلى طلب المزيد من الانكشاف. في حالة سارة كان الانكشاف جسدياً ومباشراً. في حالتنا هو معلوماتيٌ ورمزي، لكنه يشارك الخاصية نفسها: تحويل ما هو شخصيٌ إلى مادةٍ عامة. لا يعني ذلك مساواةً مباشرةً بين مآسي الماضي وأشكال الحاضر؛ فآلام سارة كانت جسديةً ونفسيةً وقانونيةً على نحوٍ لا يُقارن. لكن استحضار قصتها يفتح مساحةً للتفكير في استمرارية نمطٍ إنساني: الميل إلى اختزال الآخر في وظيفةٍ أو صورةٍ أو فئة. كل عصرٍ يبتكر مبرراته الخاصة، من نظرياتٍ عرقيةٍ زائفة إلى وعود الكفاءة التقنية.

ربما لا نستطيع إعادة كتابة حياة سارة، لكن يمكننا قراءة قصتها كجزءٍ من تاريخٍ أطول لتعلّمٍ إنسانيٍّ بطيء: تعلّم أن التقدم التقني أو العلمي لا يضمن بالضرورة تقدماً أخلاقياً موازياً. فالتقدم يحتاج دائماً إلى مراجعةٍ مستمرة، وإلى حساسيةٍ تجاه اللحظة التي يتحول فيها الإنسان — مرةً أخرى — إلى شيء.


المراجع

1. كليفتون كرايس، وباميلا سكولي/ سارة بارتمان وفينوس الهوتنتوت.
2. تشارلز ديكنز/ مقالات مختارة.
3. أرشيف الصحافة الفرنسية في القرن التاسع عشر.
4. كرايس وسكولي، المرجع السابق.
5. جورج كوفييه/ كتابات في التشريح المقارن.
6. بيري ساندرز/ ثقافة الاستعراض والذات الحديثة.

7. الصيغة الرئيسية لممارسات القرن التاسع عشر من كتاب بيري ساندرز/ اختفاء الكائن البشري 

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *