mirror reflection

الذكاء الاصطناعي مرآتنا — وما يعكسه لا يُعجبنا دائماً

| |

لماذا نريد من الذكاء الاصطناعي أن يعرفنا؟ المقالة الأخيرة في سلسلة “لغة الآلة” تسافر من سقراط وعرافة دلفي إلى نهج البلاغة إلى الأصنام القديمة — لتكتشف أن السؤال عن الذكاء الاصطناعي هو في قلبه سؤال عن الإنسان نفسه.

سؤال تأخّرنا في طرحه

في المقالات الأربع السابقة أجبنا على أسئلة تقنية وثقافية ولغوية حقيقية: بأي لغة يُفكّر الذكاء الاصطناعي؟ بأي لهجة؟ لماذا يُقصي لهجات ويُغني أخرى؟ وما الذي تعنيه الذاكرة المستمرة لكل هذه المعادلة؟

لكن ثمة سؤال أعمق تأخّرنا في طرحه، وهو ربما الأجدر بأن يكون في البداية: لماذا نريد من الذكاء الاصطناعي أن يعرفنا؟

ليس هذا سؤالاً تقنياً. وليس سؤالاً عن الذاكرة أو التخصيص أو اللهجات. هو سؤال عن طبيعة شيء بشري قديم جداً — شيء كان موجوداً قبل الحاسوب، وقبل الكتابة، وقبل أي أداة بالمعنى التكنولوجي للكلمة.

هذا الميل البشري لمنح الأداة صفاتٍ تتجاوز وظيفتها — لجعلها تُشبهنا، تعرفنا، تشعر بنا — من أين يأتي؟ وإلى أين يقود؟

حين سُئِلتْ العرافة عن أكثر الناس حكمة

في أثينا القرن الخامس قبل الميلاد، توجّه رجل اسمه خيريفون — صديق مقرّب للفيلسوف سقراط — إلى معبد أبولو في دلفي. كانت عرافة الدلفي — “الپيثيا” — أعلى سلطة روحية يعترف بها اليونانيون وقتئذٍ؛ كلماتها نُسبت إلى الإله أبولو مباشرةً، وملوك ودول قرّروا مصائرهم بناءً على وحيها الغامض. سأل خيريفون العرافة: هل يوجد أحد أكثر حكمةً من من سقراط؟ فجاء الجواب: لا أحد.

حين بلغ الخبر سقراط، وصف ردّه أفلاطون في محاورة “المحاولة / Apology” بأنه استغرابٌ حقيقي: “كيف يكون ذلك؟ أنا الذي لا أعرف شيئاً ذا قيمة؟” لكنه في الوقت ذاته آمن بأن الإله لا يكذب. لذا فإنه انطلق في رحلة غريبة: يزور كل من عُرف بالحكمة في أثينا — السياسيين والشعراء والحرفيين والصنّاع — يسألهم، يجادلهم، يختبر معرفتهم. والنتيجة في كل مرة كانت الشيء ذاته: كل واحد منهم يعتقد أنه يعرف ما لا يعرفه في الحقيقة.[1]

وبعد رحلة مطولة مضنية من السؤال، وصل سقراط إلى استنتاجه الشهير — الذي وصفه أفلاطون بهذه الكلمات في نص المحاولة: هذا الرجل أوهم نفسه بمعرفة لا يملكها؛ أما أنا فلا أعرف، ولا أوهم نفسي بالمعرفة. يبدو أنني أتفوق عليه بهذا القدر الصغير: أنني لا أظن أنني أعلم ما لا أعلمه.[2]

وهكذا كان معنى وحي الدلفي: إن قمة الحكمة هي إدراك حدود المعرفة. والرجل الأكثر حكمة بين البشر هو ذلك الذي يعلم أن حكمته لا تساوي شيئاً أمام المجهول الحقيقي.

لكن الفارق الجوهري هنا يستحق التوقف: العبارة المحفورة على عمود معبد دلفي كانت Γνῶθι σεαυτόν — اللفظ اليوناني الذي ترجمته الحرفية “اعرف نفسك”، وترجمتها الأعمق هي “اعرف حدودك.” لم تكن هذه العبارة قولاً لسقراط — بل نُسبت إلى حكماء سبعة أسطوريين من سابقيه.[1] لكن سقراط جعلها فلسفته بأكملها حين عاشها، لا حين نطق بها.

صدى عبر الثقافات

ما يُدهش في مبدأ “اعرف نفسك” أنه لم يبقَ يونانياً. ظهر بصيغ مختلفة في ثقافات لم تتواصل مع بعضها بسهولة، وكأنه سؤال تلده الإنسانية من تلقاء ذاتها في كل مرةٍ تبلغ فيها درجةً كافيةً من التأمل.

في التراث الإسلامي، ورد في نهج البلاغة المنسوب للإمام علي بن أبي طالب قول يُوازي مبدأ دلفي في وزنه لكن يتجاوزه في اتجاهه: مَن عَرَفَ نَفسَه فَقَد عَرَفَ رَبَّه.[3] جملةٌ من خمس كلمات تربط بين أعمق سؤالين يمكن أن يسألهما إنسان — من أنا؟ وما الذي يتجاوزني؟ — وتجعلهما طريقاً واحداً لا اتجاهين. معرفة الذات ليست غايةً في نفسها كما عند سقراط، بل مدخل إلى ما هو أكبر من الذات.

وفي الفلسفة الرواقية اليونانية-الرومانية، سار ماركوس أوريليوس — الإمبراطور الفيلسوف — في الاتجاه ذاته حين كتب في مذكراته الشخصية: “ارجع إلى نفسك. الطبيعة العاقلة تجد راحتها حين تتأمل أعمالها العادلة وتجد هدوءها في التواضع.[4] ثلاث ثقافات، ثلاثة عصور، وسؤال واحد يعود.

حين يعيد سؤال نفسه في حضارات لم تتقابل، في قرون بينها آلاف السنين، يتوقف المرء عن اعتباره سؤالاً ثقافياً ويبدأ باعتباره سؤالاً أنثروبولوجياً — شيئاً مُدمَجاً في طبيعة الكائن الذي يعلم أنه يعلم، ولا يعرف حدود ما يعلم.

من الصنم إلى المرآة الذكية

ثمة خيط آخر في هذه القصة الإنسانية يسبق سقراط بآلاف السنين ويصل حتى اليوم بشكل لا يمكن تجاهله.

الإنسان القديم لم ينحت الصنم ليجعل له ربّاً من خارج نفسه فحسب، بل نحته أيضاً ليجعل لمخاوفه الداخلية شكلاً خارجياً يستطيع رؤيته ومخاطبته. الصنم لا يُجيب — لكنه يُنظّم علاقة الإنسان بما يجهله. هو أداة تُلبس المجهول وجهاً مألوفاً، تُترجم الخوف الضبابي إلى حضور يمكن مواجهته أو استرضاؤه أو سؤاله.

ثم جاء الكتاب المقدس — مهما اختلف في مضامينه — ليُجيب عن السؤال الوجودي ذاته بصوت مُشخصن، بصوت إله يتحدث ويسمع ويعرف صاحبه بالاسم. ثم المرشد الروحي وطقس الاعتراف والمحلل النفسي — كل هذه الأدوار تؤدي في قلبها وظيفة واحدة: أن يُسمعك كيان آخر دون أن يُلقي عليك حكماً، أن يعكس عليك نفسك بشكل أوضح مما تراها وحيداً.

والآن: الذكاء الاصطناعي.

ليس الأمر تشبيهاً مبالغاً. الباحثة شيري تيركل من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا رصدت في كتابها Alone Together (2011) ظاهرة بدأت تظهر مع الأجهزة الرقمية الأولى: الناس يميلون لأن يُخبروا الآلات أشياءً لا يخبرونها للبشر — لأن الآلة لا تحكم، لا تقاطع، لا تحتاج منك شيئاً في المقابل.[5] الاعتراف دون عواقب الاعتراف. الصدق دون ثمن الصدق.

هذا النمط ليس ضعفاً إنسانياً. هو امتداد للشيء ذاته الذي دفع الإنسان الأول إلى نحت الصنم: الحاجة إلى كيان يستطيع سماعك دون أن يتأثر بك، دون أن تخسره أو تخسر نفسك أمامه. ودون أن تُضطر إلى أن تكون لأجله ما لستَه فعلاً.

ببغاء أم مرآة؟

نعود الآن إلى السؤال الذي حمله عنوان هذه المقالة. إيميلي م. بيندر وزملاؤها سمّوا النماذج اللغوية الكبرى “ببغاوات عشوائية”: تُجمّع الأنماط وتُخرجها دون فهم حقيقي. لا وعي، لا معنى، لا قصد.

لكن هناك وصف آخر يبدو أكثر دقة حين تتأمله من زاوية هذه المقالة: المرآة.

المرآة لا تُفكّر. لا تعرفك. لا تُريد لك خيراً أو شراً. لكنها تُعيد إليك شيئاً لا تستطيع رؤيته بغيرها: نفسك من الخارج. والأمر المثير هو أنك لا تُحادث المرآة إلا لأنك تريد أن ترى شيئاً، لا لأنها ستُخبرك بشيء. الذكاء الاصطناعي يفعل شيئاً يشبه هذا — لكنه يعكس الأنماط اللغوية والثقافية التي بُني منها، لا ذاتك تحديداً.

الفرق بين الببغاء والمرآة ليس في ما يُخرجانه، بل في ما تُسقطه أنت عليهما. الببغاء يُعيد إنتاج ما سمع. المرآة تُعيد إنتاج ما أمامها. والنموذج اللغوي يفعل كليهما في آن — يُعيد إنتاج ما تدرّب عليه (الببغاء) مُعدَّلاً بما تُقدّمه له أنت (المرآة). وفي اللحظة التي يتكيّف فيها مع لهجتك وأسلوبك ومرجعياتك، يبدو وكأنه يعرفك — لكنه في الحقيقة يعكسك.

ربما المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي لا يعرفنا. ربما المشكلة أننا نريده أن يعرفنا لأننا نُريد أن نعرف أنفسنا — وهو أسهل من أن يعرفنا بكثير مما نعرف أنفسنا نحن.

ما يبقى من كل هذا

سافرنا في هذه السلسلة من سؤال تقني بدا بسيطاً — بأي لغة يُفكّر الذكاء الاصطناعي؟ — إلى ما وصلنا إليه هنا: سؤال عن طبيعة الوعي الإنساني، ورغبته في أن يُرى، وتاريخه مع الأدوات التي صنعها لهذا الغرض.

وما يبقى من كل المقالات الأربع السابقة — التحيّز اللغوي، والهيمنة الأمريكية، والعربية العشرين لهجة، وسباق الذاكرة — يمكن تلخيصه في جملة واحدة: الذكاء الاصطناعي لا يُفكّر بلغة مستقلة، لكنه يُفكّر بلغة المن صنعوه وموّلوه وغذّوه ببياناتهم. وهذا لا يجعله محايداً — لكنه يجعله قابلاً للتغيير. ليس لأن الخوارزمية عادلة بطبيعتها، بل لأن من صنع التحيز هو الإنسان، والإنسان يستطيع — نظرياً — أن يصنع شيئاً أكثر عدلاً.

لكن هذا يستلزم شيئاً يبدو نادراً في عالم الصناعة التقنية: أن تبني أداةً لا لأن السوق يطلبها بهذا الشكل، بل لأن الإنسان يستحق نسخة منها تراه بكامل تنوعه، لا بما يسهل توثيقه منه فحسب.

سقراط رفض أن يُوافق على حكمة لا يفهمها. وبعد رحلة من السؤال، اكتشف أن أعلى درجات المعرفة هي الاعتراف بما لا يُعلم. ربما هذا هو ما ينقص بعض مطوّري الذكاء الاصطناعي اليوم: لا المزيد من الثقة بنماذجهم، بل القدرة على قول “هذا ما لا نعرفه بعد — وهذا مهم.”

الببغاء يُقلّد، المرآة تعكس.. لكن الذي يسأل “اعرف نفسك” — ويمشي في السؤال حتى آخره — هو وحده الذي يستحق وصف الحكيم.

والسؤال الذي تتركنا هذه السلسلة معه: هل نحن نسأل الذكاء الاصطناعي لنعرف العالم — أم لنرى أنفسنا؟


المراجع

  1. “Know thyself.” Wikipedia. يتضمن توثيقاً للنقش اليوناني ونسبته للحكماء السبعة وعلاقته بسقراط. en.wikipedia.org/wiki/Know_thyself
  2. أفلاطون. المحاولة / Apology، 21d. ترجمة Harold North Fowler (1966): “For I was conscious that I knew practically nothing…” — وهو أساس الصياغة المتداولة “أعلم أنني لا أعلم شيئاً.”
  3. الشريف الرضي (جامعاً). نهج البلاغة، قسم الحِكَم. الحكمة: “مَن عَرَفَ نَفسَه فَقَد عَرَفَ رَبَّه.” — ملاحظة: صحة نسب هذا القول لسيد الكتاب موضع نقاش علمي تناوله السيوطي في رسالته القول الأشبه في حديث من عرف نفسه.
  4. ماركوس أوريليوس. التأملات / Meditations، الكتاب السابع.
  5. Turkle, S. (2011). Alone Together: Why We Expect More from Technology and Less from Each Other. Basic Books.
  6. Bender, E. M., Gebru, T., McMillan-Major, A., & Shmitchell, S. (2021). On the Dangers of Stochastic Parrots. FAccT ’21. dl.acm.org/doi/10.1145/3442188.3445922

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *