Ishtar

عيد المرأة | بين الإلهة والقائمة الفارغة

|

قائمة أفضل عشر دول حققت المساواة بين الجنسين — والجواب: لا توجد. هذا ليس دعايةً ساخرة بل حقيقة أممية موثّقة. نتأمل في هذه الحقيقة عبر الفلسفة والتاريخ والبيولوجيا — من آلهات الرافدين إلى الطبيعة البشرية وما وراءها.

الضحكة المرّة

انتشرت منذ أيام صورة على صفحات التواصل الاجتماعي، تحمل توقيع هيئة الأمم المتحدة للمرأة. كانت الصورة تَعِد بقائمة من أفضل عشر دول حقّقت المساواة بين الجنسين، وكان ترقيم القائمة حاضراً: 1، 2، 3… حتى 10. غير أن الأسماء غائبة. والجواب، مكتوباً بخط عريض في أسفل الصورة: **لا توجد.**

لم تكن الصورة دعايةً ساخرة، ولا فكاهةً من باب السخرية السوداء. كانت حقيقةً موثَّقة. تقرير UN Women لعام 2025، المبني على بيانات 131 دولة، يؤكد صراحةً أن لا دولةً واحدة في العالم حقّقت المساواة الكاملة بين الجنسين وفق المؤشرات الأربعة المعتمدة. حتى آيسلندا والنرويج والسويد — الدول التي تتصدّر مؤشرات النوع الاجتماعي سنةً بعد سنة — لم تُغلق سوى أكثر من ثمانين بالمئة من الفجوة. ولم تبلغ أيٌّ منها الحدَّ الذي يُتيح القول: “وصلنا.”

ثمة شيء مضحك في هذا المشهد، ومحزن في الوقت ذاته. أن تحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للمرأة، وأن تُصدر في السنة نفسها شهادةَ فشل جماعي بحق المرأة على مستوى الكوكب — هذا التناقض ليس مفارقةً ساخرة وحسب، بل هو دعوةٌ للتأمّل العميق. لذا، لن نحتفل هنا. سنفكّر.

عيد المرأة — احتفال أم اعتراف بالإخفاق؟

الثامن من مارس ليس هبةً مُنحت للمرأة بقرار فوقي. نشأ من نضالات عمالية حقيقية، حملتها نساء في مصانع نيويورك وشوارع أوروبا في مطلع القرن العشرين، طالبن بحقوق الإضراب والتصويت والعمل اللائق. كان يوم مقاومة قبل أن يصبح يوم تهنئة.

لكنَّ شيئاً ما التبس على طول الطريق.

في ثقافات كثيرة — تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى أعماق آسيا — يتشابك هذا اليوم مع عيد الأم، أو يُقدَّم كواحد منه. وهنا يكمن اللبس الدقيق الذي لا يُقال صريحاً: الاحتفاء بالمرأة بوصفها **أُمَّاً** شيءٌ مختلف تماماً عن الاحتفاء بها بوصفها **إنساناً مستقلاً**. الأمومة قيمة عظيمة لا شك، لكنها ليست الهوية الكاملة للمرأة، وليست الوحدةَ الوحيدة التي تُرى من خلالها.

حين يُختزل عيد المرأة في عيد الأم، فإن المجتمع يقول ضمنياً: “نُكرّمك على ما أنجبتِه، لا على ما أنتِ.”

هذه الثقافات ذاتها التي تُقدِّس الأمومة في يوم واحد، لم تمنح المرأة في كثير من الأحيان حق التصويت، ولا الطلاق، ولا العمل دون إذن وليّ أمر. والحقيقة المرّة أن المنظومات الدينية الكبرى — وهي التي تشكّل الجزء الأوسع من الوعي الجمعي في هذه الثقافات — بُنيت على بنية خطابية ذكورية واضحة. الإله يُذكَّر، النبيُّ مذكَّر، الفقيه مذكَّر، ومُفسِّر النص مذكَّر. وحين يكتب المذكَّر قوانين المرأة، فإن حسن النية وحده لا يكفي ضماناً للعدالة.

نقول هذا لا هجوماً على الإيمان، بل ملاحظةً أنثروبولوجية: الدين ظاهرة بشرية تعكس المجتمع الذي أنتجها. وأي نصٍّ يحمل أثر يد من كتبه.

ولعل المخرج السويدي العظيم إنغمار برغمان أدرك هذا التناقض قبل أن تُقرّه الأمم المتحدة بعقود. في فيلمه الاستثنائي *پرسونا* (Persona، 1966)، لا تنهار البطلة تحت وطأة مرض أو صدمة خارجية، بل تنهار تحت ثقل الدور المنتظَر منها — دور الأم، والزوجة، والصورة المكتملة. صمتها الطويل في الفيلم ليس عجزاً، بل هو الحدَّ الأقصى لما يتحمّله الإنسان حين لا يُسمح له أن يكون غير ما يُتوقَّع منه. نتناول برغمان وهذا الفيلم تحديداً بما يستحق من تفصيل في مقالة مستقلة قادمة.

ما قبل الأبوية — الفصل المُعتَّم عليه

ثمة مرحلة في تاريخ البشرية يُحبّ كثيرون تجاهلها أو تسميتها بأسماء مضلِّلة. يُقال عنها أحياناً “المشاعية” للإيحاء بالفوضى والبدائية، وكأن ما جاء بعدها كان حتماً أرقى وأعدل. لكن الأدق وصفها بالمرحلة **الأمومية** — حين كان النسب يُحسَب من جهة الأم، والسلطة تمرّ عبرها، والمقدَّس يتجلّى بصورتها.

الآثار الأركيولوجية لا تكذب. في حوض ما بين النهرين — قلب الحضارة البشرية المبكرة — عُثر على تماثيل **عشتار** وآلهات الخصب بأعداد لافتة. والملاحَظ أن هذه الآلهة لا تحتاج إلى تفسير رمزي معقّد: امرأة ذات نهدَين كبيرَين ترضع أطفالها، جسدٌ يُعطي الحياة ويُديمها. الإله الأول في الوعي الإنساني كان أنثى. الخالق الأول كان أُمَّاً.

لم يكن هذا وهماً بدائياً. كان فهماً مختلفاً لمن يمتلك أصل الحياة — وهو فهم لم يكن بالضرورة خاطئاً.

Ishtar
Ishtar is the goddess of love, fertility, and war among the peoples of the ancient Near East. She was worshipped in Syria, Egypt, and Mesopotamia. The word Ishtar in Akkadian means goddess in general, and it is derived from the name of the Syrian goddess Attar. The Babylonian name Ishtar means life of the earth.

هذه التماثيل التي تسبق الكتابة والمدنية المنظَّمة بآلاف السنين، تطرح سؤالاً غير مريح: هل كانت الفجوة بين الجنسين في تلك المرحلة أضيق مما هي اليوم؟ أم أن الفروق البيولوجية ذاتها كانت حاضرة، لكن البنية الاجتماعية المبنية عليها كانت مختلفة — أقل تراتبية، أو على الأقل مُعكوسة؟

لا يعلم أحد يقيناً متى وكيف جرى التحوّل من الأمومية إلى الأبوية. تتعدد النظريات: التحوّل إلى الزراعة المستقرة ونشوء الملكية الخاصة وضرورة معرفة الأب صاحب الأرض؛ صعود الجماعات العسكرية التي تُقدِّر العضلة على الرحم؛ التحوّلات المناخية التي أعادت توزيع الأدوار. لكن الثابت أن هذا التحوّل لم يكن طبيعياً حتمياً — كان خياراً تاريخياً، بكل ما تحمله الكلمة من ثقل.

وما نختاره مرةً يمكن اختيار خلافه مرةً أخرى.

هل الفروق بين الجنسين حقيقية؟

نعم، الفروق حقيقية. لكن ليس بالطريقة التي يتخيّلها معظم من يستخدمونها حجةً.

على مستوى المتوسطات الإحصائية، ثمة فروق بيولوجية موثَّقة: هرمونية وتشريحية وفي بعض الأنماط السلوكية. هذا علمٌ لا جدال فيه. لكن المغالطة الكبرى تقع حين نأخذ متوسطاً جماعياً ونُسقطه على الفرد. فالتباين داخل كل جنس — بين امرأة وأخرى، بين رجل وآخر — أوسع في أغلب الصفات من التباين بين الجنسين أنفسهم. كل إنسان نقطةٌ على طيف، لا نسخةٌ من صورة نمطية.

ثم يأتي السؤال الأصعب: كم من هذه الفروق بيولوجي أصيل، وكم منها بُني على يد التنشئة والتوقع الاجتماعي؟ حين نربّي الفتيات على الخوف والحذر والرعاية، والفتيان على الجرأة والمبادرة والصلابة — ثم نقيس الفروق بينهم ونقول “هذا طبيعي” — فنحن لا نقيس الطبيعة، بل نقيس ما صنعناه بأيدينا.

الخوف، والعدوانية، والرعاية، والطموح — هذه ليست حكراً على جنس بعينه. هي صفات بشرية توزَّعت بحسب ما سمحت به الثقافة، لا بحسب ما قضت به البيولوجيا وحدها.

الخلاصة التي تُغضب الطرفين معاً: الفروق موجودة جزئياً، لكن المبالغة فيها أو توظيفها لبناء تراتبية هو اختيار ثقافي، لا ضرورة طبيعية.

 إلغاء الفروق أم إلغاء التراتبية

هنا يقع خلط شائع في نقاشات المساواة. يرى فريق أن المساواة تعني إثبات أن المرأة والرجل متطابقان في كل شيء. ويرى فريق مقابل أن أي اعتراف بفرق يُسوِّغ التمييز. كلا الموقفين مبنيٌّ على مقدمة خاطئة.

المساواة لا تعني التطابق. تعني ألا تُبنى الحقوق أو الحرمان على أساس الجنس. رجل أكثر هدوءاً من المتوسط، وامرأة أكثر جرأةً من المتوسط — كلاهما ينزلق خارج الصورة النمطية لجنسه، وكلاهما يستحق أن يُعامَل بما هو عليه لا بما يُفترض فيه.

محاولة إلغاء الفروق قسراً — في أي اتجاه — نتائجها مشكوك فيها وأحياناً عكسية. الطبيعة لا تُلغى، لكنها تُوجَّه. وهذا بالضبط ما يفعله الإنسان منذ آلاف السنين حين تجاوز بعض غرائزه لبناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدلاً.

الطبيعة أكثر مرونة من قوانيننا

الثنائية الصارمة — ذكر أو أنثى، هذا أو ذاك — هي تبسيط مفيد للتنظيم الاجتماعي، لكنها لا تصف الطبيعة كما هي.

في عالم الأحياء، الصورة أكثر ثراءً وتعقيداً مما تعترف به أي ثقافة بشرية. ثمة كائنات لا جنسية أصلاً، تتكاثر دون زوج. وثمة كائنات مزدوجة الجنس، تحمل الخاصيتين معاً، وتختار نمط تكاثرها بحسب الظروف الطارئة — فإذا أحاط بها الخطر وشحّ الشريك، أنتجت من ذاتها. وثمة كائنات تتحوّل جنسياً بصورة تلقائية خلال حياتها استجابةً لحاجة الجماعة.

والميول الجنسية المتنوعة موثَّقة في معظم الكائنات ذات التكاثر الجنسي. ليس استثناءً نادراً، بل نمطاً متكرراً عبر طيف واسع من الأنواع.

عند البشر تحديداً، الطيف السلوكي والنفسي الجنسي أوسع بكثير مما تعترف به أي منظومة قانونية أو دينية. وهذا ليس انحلالاً — هو واقع بيولوجي. كل إنسان، مهما كان نمطياً في سلوكه، يحمل في طبقات لاوعيه جزءاً من الطيف الكامل للتجربة الإنسانية.

التنوع الجنسي ليس شذوذاً عن الطبيعة — هو جزء من منطقها التطوري. محاولة القضاء عليه في مجتمع بأكمله ثمنٌ تستوفيه الطبيعة بطرقها الخاصة.

لكن لا بدَّ من تمييز دقيق هنا: البشر هم الكائن الوحيد الذي طوّر قشرةً دماغية تُتيح له تأطير الغريزة وتوجيهها بدلاً من الاستسلام لها. وهذا التأطير هو ما أتاح تشكيل المجتمعات. حين قمعت الثقافات البشرية الميل الجنسي بين الأقارب، لم تخالف الطبيعة — استخدمت أداةً طبيعية أخرى هي الذكاء والثقافة لتجاوز غريزة أدنى. ونقلت بذلك المجتمعات مرحلةً نوعية إلى الأمام.

الفارق الجوهري هو بين **التأطير الضروري** — الذي يحمي الضعيف ويُنظّم الاجتماع البشري — وبين **القمع المجتمعي العام** الذي يطارد البالغين الأحرار على خياراتهم الشخصية التي لا تُلحق أذىً بأحد. الأول بناء حضاري، والثاني خوف متنكِّر في هيئة فضيلة.

الخاتمة — إلى أين؟

القائمة لا تزال فارغة. لكن الفراغ ليس دليل استحالة — هو دليل تقصير، وتقصير يمكن إصلاحه.

السؤال الحقيقي ليس “هل المرأة مساوية للرجل” — بل لماذا لا تزال هذه جملةً تحتاج إلى إجابة في عام 2025؟ لماذا لا تزال الإجابة “لا توجد” في قائمة أفضل دول الأرض؟

العودة إلى المرحلة الأمومية ليست الحل، ولا الهروب نحو الماضي طريقاً للأمام. لكن التأمل فيها يكشف شيئاً جوهرياً: التراتبية الذكورية لم تكن حتميةً أزلية. كانت خياراً تاريخياً، جرى في لحظة ما، لأسباب لها صلة بالاقتصاد والعسكرة والملكية لا بقانون طبيعي لا يُردّ. وما اختاره الإنسان مرةً في ظروف معينة يمكنه أن يُعيد اختياره في ظروف مختلفة.

البشر أثبتوا على مدى التاريخ أنهم قادرون على تجاوز بنى اجتماعية بدت راسخةً كالجبال. الرق كان “طبيعياً” في ثقافات كاملة لقرون، ثم انتهى. التمييز العنصري القانوني بدا حتمياً حتى بدا تافهاً. كل تحوّل كبير بدأ بسؤال صغير: لماذا هذا بالتحديد؟

نحن لا نطلب اليوتوبيا. نطلب ما هو أبسط وأعمق في الوقت ذاته: مجتمعات لا تُحوِّل الفروق إلى أحكام، ولا تُحوِّل الاختلاف إلى تراتبية. مجتمعات تُقدِّر الإنسان بما هو عليه لا بما وُلد عليه.

القائمة الفارغة دعوة للتواضع أمام حجم ما تبقّى. لكنها في الوقت ذاته اعتراف ضمني بأن الطريق ممكنة — لأن البشرية جرّبت نماذج أخرى، وعرفت مجتمعات أكثر توازناً. الأمل ليس وهماً رومانسياً، بل استنتاج من التاريخ: ما صنعه الإنسان يمكن أن يُعيد صنعه.

يوم المرأة العالمي سيظل احتفالاً ناقصاً ما دامت القائمة فارغة. لكنه ذكرى مفيدة بأن النضال لم ينته، وأن السؤال لم يُجَب. وهذا بحد ذاته يستحق أن يُحتفى به — لا لأن الطريق قصيرة، بل لأن النوايا لا تكفي والأعياد لا تبني مساواةً حقيقية. العمل يبني. والوعي يبني. والسؤال الشجاع يبني.

المصادر والمراجع:
[1] UN Women — Progress on the Sustainable Development Goals: The Gender Snapshot 2025
[2] World Economic Forum — Global Gender Gap Report 2024
[3] Marija Gimbutas — The Language of the Goddess (مارييا غيمبوتاس — لغة الإلهة)
[4] Frans de Waal — Different: Gender Through the Eyes of a Primatologist (فرانس دو فال — مختلفون)
[5] Ingmar Bergman — Persona, 1966 (إنغمار برغمان — پرسونا)

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *