يوكو أوغاوا | هدوء اليابان في كلمات
يوكو أوغاوا لا تكتب لتصف — تكتب لتُعيد للقارئ صلته بالأشياء الزائلة. قراءة في أدب الهدوء وفلسفة المونو نو أواري.
لا أتذكر بالضبط ما الذي دفعني إلى التقاط رواية «شرطة الذاكرة» من رفّ المكتبة. ربما كان الغلاف — رمادي هادئ بخط يميل إلى الانسحاب من الصفحة لا إلى الصراخ فيها. أو ربما كان الاسم: يوكو أوغاوا (Yōko Ogawa). اسم يبدو وكأنه يحمل في داخله صمتاً ما.
قرأتُ الرواية في ليلتَين. لم أبكِ، لكنني جلستُ بعدها طويلاً أحدّق في المساحة الفارغة أمامي. وهذا، أعتقد، هو ما يريده الأدب الياباني العظيم منك: لا أن تشعر بالقصة، بل أن تصبح جزءاً منها.
كاتبة بين اختفائَين
وُلدت يوكو أوغاوا عام 1962 في مدينة أوكاياما (Okayama)، ودرست الأدب في جامعة واسيدا (Waseda University) بطوكيو. تزوجت وتركت وظيفتها كسكرتيرة في جامعة طبية، وكتبت بينما كان زوجها في عمله. حين فازت روايتها الأولى «كسر الفراشة» بجائزة أدبية كبرى عام 1988، علم زوجها بأمر كتابتها للمرة الأولى. لم تكن تخفيها عمداً — كانت تعيش في الكتابة كما نعيش في حلم: بهدوء داخلي لا يحتاج إعلاناً.
منذ ذلك الحين كتبت ما يزيد على خمسين عملاً، وفازت بكل جائزة أدبية يابانية تقريباً، من جائزة أكوتاغاوا (Akutagawa Prize) إلى جائزة تانيزاكي (Tanizaki Prize). لكن العالم بقي في معظمه لا يعرفها حتى عام 2019، حين صدرت الترجمة الإنكليزية لـ«شرطة الذاكرة» (The Memory Police) — رواية كانت قد كتبتها عام 1994. خمسة وعشرون عاماً بين الكتابة والوصول. وهذا التأخير نفسه يبدو وكأنه جاء من داخل روايتها: الأشياء تختفي ببطء، والذين يتذكرونها هم القلة.
«أنا لستُ من يبتكر القصص — أنا وسيط. أُفكك ما هو مدفون في العالم مثل أحافير، وأُحوّله إلى كلمات.» — يوكو أوغاوا
المونو نو أواري — جمال ما يزول
لفهم أدب يوكو أوغاوا لا بد من الاقتراب من مفهوم ياباني قديم: «المونو نو أواري» (Mono no Aware — 物の哀れ). ترجمته الحرفية «الحزن الرقيق على الأشياء» أو «الحساسية تجاه عابرية الوجود» — وهي مفردة جمالية تصف ذلك الإحساس المؤلم واللطيف في آنٍ معاً حين يواجه الإنسان زوال الأشياء الجميلة: أزهار الكرز التي تتساقط، أو طفولة تمضي، أو شخص تودّعه دون أن تعرف أنه الوداع الأخير.
أوغاوا لا تكتب عن هذا المفهوم — هي تكتب منه. في «شرطة الذاكرة» تختفي الأشياء من الجزيرة تدريجياً: الطيور، والشرائط، والورود، والعطور. ومع اختفاء كل شيء، يكف السكان عن تذكّره. ليس بالقوة، بل بالتسليم الهادئ. وهذا هو الرعب الحقيقي عند أوغاوا: ليس الفقدان نفسه، بل اللامبالاة التي تتبعه — لأنها اللامبالاة التي تُشبه جداً ما يفعله العصر الرقمي بانتباهنا.
القصص غير المنتهية لها جاذبية خاصة — (راجع مقالتنا: جاذبية القصص غير المنتهية). لكن في عالم أوغاوا، الجاذبية معكوسة: القصص لا تنتهي لأنها تختفي قبل أن تُروى.
شرطة الذاكرة — رواية كُتبت قبل زمنها
يوكو أوغاوا تقرأ من «شرطة الذاكرة» باليابانية وتتحدث عنها | القناة الرسمية لجائزة البوكر
في «شرطة الذاكرة»، جزيرة مجهولة الاسم والموقع. أشياء تختفي تباعاً. وشرطة تتأكد من أن ما اختفى يُنسى إلى الأبد. الراوية روائية تُخبّئ محررها في غرفة سرية تحت الأرض لأنه ما زال يتذكر الأشياء الضائعة. وحين تختفي الروايات من الجزيرة أيضاً، تواصل الكتابة على الآلة الكاتبة — وكأن الفعل نفسه هو المقاومة الأخيرة.
كتبتها أوغاوا عام 1994 كتحية لمذكرات آن فرانك (Anne Frank)، لا كبيان سياسي. لكن حين صدرت بالإنكليزية عام 2019، في خضم صعود الأخبار الزائفة وتصاعد الاستبداد الجديد، بدت وكأنها كُتبت اليوم. حين أعادت أوغاوا قراءتها قالت: «كنت أظن أن العالم سيبتعد عن الرواية بمرور الوقت — لكن القراء يجدون أنفسهم أقرب إليها مما كنت أتصور.»
فازت الرواية بجائزة الكتاب الأمريكي ووصلت لقائمة المرشّحَين لجائزة البوكر الدولية عام 2020 — وكل هذا لعمل عمره ربع قرن. الأدب الحقيقي لا يعيش في زمن كتابته، بل في أزمنة قرّائه.
الكتابة كطقس — اليد والورق والنبض
ما يُميّز يوكو أوغاوا عن أجيال الكتّاب الرقميين هو تمسكها بالكتابة اليدوية. تكتب مسوداتها الأولى بالقلم على الورق — لأنها تؤمن بأن شيئاً ما ينتقل من النبض إلى الصفحة حين تكون اليد الوسيط لا لوحة المفاتيح. الجملة عندها تُصاغ ببطء وبدقة، كما تُحضَّر كأس الشاي في طقوس «تشانويو» (Chanoyu — 茶の湯) اليابانية: لا استعجال، ولا زخرفة زائدة، والمعنى الكامل في التفاصيل الصغيرة.
مترجمها الإنكليزي ستيفن سنايدر (Stephen Snyder) قال عن أسلوبها: «ثمة طبيعية في ما تكتبه لا تبدو متكلَّفة أبداً — روايتها تبدو وكأنها تتدفق من منبع يصعب تحديده.» وهذا هو أصعب ما يُقال عن كاتبة: لا تبدو وكأنها تكتب، بل وكأن الكتابة تمر بها.
أسلوبها مستوحى جزئياً من الأفلام اليابانية الصامتة القديمة — تؤمن بأن التعبير بالعين أو الإيماءة أصدق أحياناً من الخطابة الطويلة. جملة واحدة هادئة تحمل ما تعجز عنه فقرات. وهذا ما يجعل كتبها متاحةً لكل قارئ: لأنها تتكلم بلغة الإنسان العام لا بلغة النخبة.
الرياضيات والذاكرة — عقل يعمل بمنطق الشعر
هناك جانب غير متوقع في شخصية أوغاوا: شغفها بالرياضيات. روايتها «ربة المنزل والأستاذ» (The Housekeeper and the Professor) تتمحور حول أستاذ رياضيات لا تتجاوز ذاكرته القصيرة ثمانين دقيقة — يبدأ كل يوم من نقطة الصفر مع خادمته وابنها، ومع ذلك يتشكّل بينهم عالم دافئ كامل في حدود تلك الدقائق الثمانين.
الرياضيات عند أوغاوا ليست معادلات — هي استعارة للنظام الجميل وسط الفوضى. الأرقام لا تكذب، والأنماط الرياضية تكشف جمالاً لا تراه العين العابرة. وهذا بالضبط ما تفعله كتابتها مع تفاصيل الحياة اليومية: تمنحها دقة المعادلة وشاعرية الحلم في آنٍ معاً.
في عالم يغرق في الضجيج الرقمي، يقف أسلوبها كسؤال مضاد: هل يمكن للكلمة الواحدة المُختارة بعناية أن تفعل ما لا تفعله ألف كلمة متسرّعة؟ الجواب في كتبها نعم — وببساطة مُعجزة. (راجع مقالتنا: المحاكاة الثالثة: الفن في عصر الذكاء الاصطناعي).
ما يُعلّمنا إياه الهدوء الياباني
أعيش في باريس — مدينة تؤمن بأن الضجيج دليل الحياة. وفي هذا السياق تحديداً أجد في قراءة أوغاوا شيئاً يشبه التأمل: صوت هادئ لا يرفع نبرته لأنه لا يحتاج إلى ذلك.
«الزن» (Zen — 禅) كفلسفة حياة يقول: اهتم بما أمامك، الآن، بكامل انتباهك. أوغاوا تُترجم هذا أدبياً: اهتم بالتفصيلة الصغيرة — درجة اللون الأخضر في الغابة، صوت المطر على الزجاج، ملمس الورق القديم. هذه التفاصيل ليست زخرفة — هي المعنى ذاته. وحين تُكرّس لها كامل انتباهك، تكتشف أن السعادة ليست في الأحداث الكبيرة، بل في الانتباه المُعطى للصغير.
ويقال إن أوغاوا تحمل في ذاكرتها أكثر من أربعين تسمية لدرجات اللون الأخضر في الغابات اليابانية، لا توجد لها مقابل مباشر في لغات أخرى. هذا ليس هوساً — هذا هو ما يعنيه الانتباه الكامل: أن ترى ما لا يراه الآخرون لأنهم لا يمنحون الوقت الكافي للنظر.
الهدوء الياباني في كتابة أوغاوا ليس غياب الضجيج — هو حضور أعمق يحتاج إلى صمت لتسمعه.
هذا الأدب لا يُقرأ بسرعة. يُقرأ بالطريقة التي كتبته بها أوغاوا نفسها: بيد واحدة، وقلم واحد، ووقت كافٍ لأن تترك الكلمة تستقر قبل أن تنتقل إلى التالية.
إن أثار هذا المقال اهتمامك بالأدب الياباني، فقد يجذبك ما كتبناه عن ميشيما — الكاتب الياباني الآخر الذي يسكن الأسئلة الكبيرة بأسلوب مختلف تماماً: (راجع مقالتنا: مئة عام على ميشيما | لماذا يقرأه العالم اليوم أكثر مما قرأه في حياته؟).
وإن كنتَ مترجماً أو مهتماً بتحديات نقل الأسلوب الأدبي بين اللغات البعيدة ثقافياً، فلنا قراءة في هذا: (راجع مقالتنا: الجمهور يحكم | التكيّف الثقافي في الترجمة).
مراجع وقراءات إضافية
- يوكو أوغاوا — Wikipedia
- قصص الذاكرة والفقدان — Nippon.com (مقابلة)
- Ogawa, Y. (2019). The Memory Police. ترجمة ستيفن سنايدر. Pantheon Books.
- Ogawa, Y. (2009). The Housekeeper and the Professor. ترجمة ستيفن سنايدر. Picador.
- دليل القراءة — جائزة البوكر



