هل الذكاء الاصطناعي مجرد فقاعة أخرى؟ قراءة تقنية في وهم الاستمرارية
هل الذكاء الصناعي ثورة دائمة أم فقاعة مؤقتة؟ عبر قراءة تاريخ الابتكار والاقتصاد التقني، يحلل هذا المقال حدود الاستمرارية، ودورات الحماسة والانكسار، والعوامل الاجتماعية التي تحدد أي الاختراعات تبقى وأيها يختفي.
فقاعة الذكاء الصناعي: الواقع التقني ووهم الاستمرارية
غوفي بايك: هي عبارة عن دراجة هوائية من فئة منقرضة من الدراجات، كانت تُعرف بالدراجات العائلية كانت تضم دراجات لراكبين أو أكثر وبأشكال متنوعة. يمكن لنا اعتبار الصدفة والظروف قد تدخلت حتى اختفت تقريباً كل أشكال الدراجات لأكثر من راكب، فحتى الرياضة لم تحتفظ لنا سوى بسباق الدراجات الفردية، على عكس قوارب التجذيف، ومن أمثلتها قوارب التنين (20 راكب) وقوارب الجالور الأندونيسية (45 حتى 60 راكب) أو قوارب التجذيف التراثي المشهورة في الخليج العربي.

كما تُظهر صورة دراجة غوفي بايك، فقد كانت الدراجة مخصصة لأربع أفراد. نستطيع القول أن الدراجة تفترض التالي: الأب في الأعلى ليعبر بقوة عن طبيعة النظام الأبوي “البطريركي” والذي ما يزال سائداً، والابنة في المقدمة ولا يوكل لها أي مهمة سوى الفرجة، فلن يطول الوقت عليها حتى تتزوج وتأخذ مكان أمها في أسرة أخرى، والأم في الأسفل حيث تعمل على آلة الخياطة أثناء سير الدراجة “حتى لو كانت الأسرة خارجة في نزهة!” والابن الذي يشترك مع أباه في الجهد العضلي كي يدرب سيقانه على السعي خلف الرزق الضامن له لإنشاء أسرة مشابهة.
ظهرت هذه الدراجة في واحدة من أكثر الدول تطوراً وأكثرها إبداعاً وتجديداً في شكل الأسرة التقليدية. في شيكاغو عام ١٩٣٠. هل فات مصممها أن الدولة المتقدمة جداً في المعسكر الرأسمالي أي الولايات المتحدة تبتعد أكثر من غيرها عن شكل الأسرة النمطي السائد بحسب ما تفرضه طبيعة السوق ومتطلبات العمل؟
هنالك في المراحل الانتقالية من التطور الحضاري البشري الكثير من أمثال هذه الاختراعات الغريبة وغير العملية والتي لا فائدة أو سوق لها. إن مصمم هذه الدراجة لم يفترض حتى ولادة تؤام أو بنتان أو بنت قبل الولد! إنها تتحدث عن حلمٍ ينتاب جزءً محدداً من البشر، لا واقع.
أولاً: لماذا نُخطئ دائماً في توقع مصير الاختراعات والابتكارات البشرية؟
آ – المفهوم الخاطئ لنقطة التحول:
إن الخلط بين «التأثير المؤقت» و«التحول العميق» هو أحد أكثر أخطاء التفكير شيوعاً في تاريخ الابتكار. وهذا الخلط تحديداً هو ما يجعل كل جيلٍ يعتقد أن تقنيته هي الاستثناء الذي لن يخضع لقوانين الأفول.
يمكننا ببساطة القول أنه كلما ظهرت تقنيةٌ جديدة، يُعاد إنتاج الخطاب نفسه: نحن أمام نقطة تحوّلٍ، ما قبلها ليس كما بعدها، والعالم سيتغير جذريًا. هذا الخطاب لا يقتصر على الإعلام والأدب الفانتازي وأفلام الخيال العلمي، بل يتسلل إلى الأبحاث، والاستثمارات، وحتى إلى اللغة اليومية.
إن تاريخ التطور التقني، إذا نُزع عنه بريق اللحظة، لا يؤكد أن الحتمية “تقنية جديدة تعتبر نقطة تحول تؤدي إلى تغيير العالم جذرياً” بل إن التاريخ يناقض ذلك مراراً، ففكرة نقاط التحول التقني عبارة عن تراثٍ بشريٍ لشرح مدرسيٍ مبسطٍ عن تاريخ التطور يسبب لدى الوعي العام وهم الخط المستقيم، وهو تصور التقدم على أنه سلسلة تراكمية: اختراعٌ ينجح، فيُبنى عليه، ثم يُحسن، وهكذا. لكن هذا التصور تبسيطيٌ إلى حد الخداع.
ب- مدى تأثير الأهمية الآنية:
السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل الذكاء الصناعي مهمٌ؟ بل: هل الأهمية الآنية تعني الاستمرارية البنيوية؟
يوضح الاقتصادي الأمريكي براين آرثر، أحد أبرز منظّري تطور التكنولوجيا، أن التقنيات لا تتطور لأنها «أفضل»، بل لأنها تنجح في إيجاد بيئةٍ داعمةٍ لها في لحظةٍ معينة [1]. النجاح هنا ليس تقنياً بحتاً، بل تراكبٌ معقّدٌ بين السوق، والمؤسسات، والعادات، وحتى الصدفة.
يمكن الاعتراض بالقول إن الذكاء الصناعي مختلفٌ لأنه لا يعتمد على جهازٍ واحد أو منتجٍ بعينه، بل على خوارزمياتٍ مرنة. وهذا صحيحٌ، إن اعتبار «الذكاء الصناعي ككيانٍ واحد» هو خاطئٌ ومخادع، فلا يوجد شيء اسمه ذكاء صناعي واحد. ما يُسمّى اليوم AI هو مظلةُ فضفاضةُ تشمل نماذجاً إحصائية، أنظمة تنبؤ، شبكاتٍ عصبية، أدوات تحسين، إلخ. فالكثير مما يُسوّق على أنه “ذكاءٌ” هو في الحقيقة أتمتةٌ محسّنة. وهذه نقطةٌ غير شعبيةٍ، لكنها قد تكون مفيدةٌ فقط لتخفيف الهلع… فالواقع إن كل هذه المرونة لا تعني الاستمرارية لهذه المظلة، فالمرونة نفسها كانت حاضرةً في تقنياتٍ سابقةٍ لم تُكتب لها الحياة الطويلة، مثل أنظمة البرمجة المنطقية في السبعينيات أو البيئات الذكية المغلقة في التسعينيات.
الاستنتاج هنا أكثر قسوةً مما يبدو: التقنية لا تتقدم لأنها منطقيةٌ، بل لأنها تجد من يحتملها.
ثانياً: دورة الحماسة والانكسار: قراءةٌ اقتصاديةٌ حول الذكاء الصناعي
تقدّم كارلوتا بيريز، الخبيرة الفنزويلية في اقتصاد الابتكار والتحولات التقنية الكبرى، إطاراً تحليلياً حاسماً لفهم هذه الظواهر [2]. بحسب بيريز، تمر كل ثورةٍ تقنيةٍ بأربع مراحل: الانطلاق، الهوس، الانكسار، ثم الاستقرار — إن كُتب لها ذلك.
ما يميز مرحلة الهوس ليس التفاؤل، بل انفصال الاستثمار عن الاستخدام الواقعي. في هذه المرحلة، يُموَّل كل ما يحمل اسم التقنية الجديدة، لا لأنها مفهومة، بل لأنها واعدةٌ نظرياً.
يمكن القول أن هنالك شيء من التوازي بين تسارع خيالات الكتاب وأبحاث العلماء، وقد يعود السبب بشكلٍ كبيرٍ أن الاستثمار في الأبحاث قائمٌ بشكلٍ ما على ما يعرضه المتخصصون العلميون على الممولين لمشاريعهم وأبحاثهم. في كل التاريخ البشري المقروء كان هنالك دائماً نوع من الابتذال والتكسب الذي يضطر إليه رجال العلم والذي يقدمونه لرجال السلطة والمال. وفي كل حال، فإن طبيعة توجيه الأبحاث مرتبطةٌ حتماً بالمنفعة أو الفائدة أو الربح، فردياً كان ذلك، أم ازدهاراً جماعياً.
بالنظر إلى الذكاء الصناعي اليوم، فإنه يحمل كل علامات مرحلة الهوس:
تضخم التقييمات المالية.
تسويق قدراتٍ مستقبليةٍ لم تتحقق بعد.
ضغطٌ زمنيٌ على الباحثين لإنتاج نتائجٍ سريعةٍ بدل بناء نظرياتٍ متماسكة.
قد يُقال إن هذه الظاهرة طبيعيةٌ، بل ضروريةٌ. وهذا صحيحٌ جزئياً. لكن التاريخ يبيّن أن كثيراً من التقنيات لم تنجُ من مرحلة التصحيح، بل تحطمت عندها.
الاستنتاج: لسنا في لحظة الحسم، بل في لحظة الامتحان.

ثالثاً: الذكاء بلا فهم: حدود النموذج الحسابي
من أكثر الأسئلة التي يتم تجاوزها عمداً: ماذا يعني أن “يفهم” الذكاء الصناعي؟
يقول عالم الحاسوب الفرنسي يان لوكون، أحد الآباء المؤسسين للتعلم العميق:
«هذه الأنظمة لا تمتلك نموذجاً للعالم، بل تحاكي أنماطاً لغويةً عنه» [4].
هذا القول ليس تقليلاً من الإنجاز، بل وضعه في حجمه الحقيقي. فالتمييز بين المحاكاة والفهم ليس لغوياً فقط، بل معرفيٌ عميق. ما يعتبره الوعي الشائع فهماً، هو كفاءةٌ احصائية.
تقوم النماذج المعاصرة على التنبؤ الإحصائي واسع النطاق. هذا النهج أثبت فعاليته في مجالاتٍ كثيرةٍ، لكنه يواجه حدوداً بنيويةً لا يمكن تجاوزها بمجرد زيادة البيانات “سعة الذاكرة”.
في الحقيقة، تشير أبحاث قوانين التحجيم إلى أن العوائد المعرفية تتناقص مع تضخم النماذج، بينما تتضخم الكلفة الطاقية والبيئية بشكلٍ غير متناسب [3]. هذا يطرح سؤالًا فلسفياً وتقنياً في آن: هل هذا المسار قابلٌ للاستدامة أصلًا؟
الاستنتاج:
ما نراه ذكاءً هو كفاءة، لا إدراكاً، وحتى هذه الكفاءة محدودة، وليست منطقيةً لعدم الاستدامة.
رابعاً: حين تفشل التقنية اجتماعياً لا تقنياً
غالبًا ما تُفسَّر نهاية التقنيات الفاشلة بأسبابٍ تقنية: بطءٌ، كلفةٌ، ضعف أداء. لكن هذا التفسير يغفل عاملاً حاسماً: القبول الاجتماعي.
يشير الفيلسوف الأمريكي لانغدون وينر، المتخصص في فلسفة التكنولوجيا والسياسة، إلى أن كل تقنيةٍ تحمل في داخلها تصوراً معيّناً عن كيفية تنظيم الحياة [5]. فإذا تعارض هذا التصور مع البنية الاجتماعية السائدة، تُقصى التقنية مهما كانت متقدمة.
من هنا نفهم لماذا:
انهارت أنظمة الخبراء رغم دقتها النظرية [6].
فشل جهاز سيغواي في فرض نفسه كنمط نقلٍ يومي.
بقيت تقنياتٌ واعدةٌ مثل الواجهات العصبية حبيسة المختبرات.
فالتقنية التي لا تجد مكاناً في العادات، وتتسرب إلى المجتمعات البشرية عموماً كحاجةٍ لبيئته الثقافية، لا مكان لها في التاريخ.

الفقاعة
مصطلح الفقاعة اقتصادياً يشير إلى أن الاستثمارات انفصلت عن القيمة الاقتصادية الحقيقية، ولا يمكننا أن نقول أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي هو فقاعةٌ اقتصادية، فالأمر أكثر تعقيداً: صحيحٌ أن هنالك مبالغة تقييمٍ واضحةٍ في بعض الشركات الناشئة، لكن بالمقابل هنالك طلبٌ حقيقيٌ من الشركات الكبرى. فالذكاء الاصطناعي يحسن فعلياً من الانتاجية في مجالاتٍ كثيرةٍ. وهذا يجعل الوضع أقرب إلى فقاعةٍ جزئيةٍ داخل قطاعٍ حقيقيٍ واعد. ومن أهم الأمثلة: فقاعة الانترنت 1999: انهارت شركاتٌ كثيرةٌ، لكن الانترنت ذاته غيّر العالم. وقبل ذلك فقاعة السكك الحديدية في القرن 19: خسائرٌ ضخمة، لكن البنية التحتية بقيت.
آ- حد العائد الاقتصادي: هنالك الكثير من الشركات تستثمر في الذكاء الصناعي بدافع الخوف من التخلف أكثر من حساب الربح، ونهاية هذه الموجة تبدأ عندما تتضح تكلفة تشغيل النماذج الضخمة، ويصبح العائد المالي أقل من المتوقع، ويتباطأ نمو الإيرادات. فحينما لا تثبت النماذج قدرتها على تحقيق أرباح مستقرة، يبدأ المستثمرون بالانسحاب.
ب- حد البنية التحتية والطاقة: الذكاء الصناعي الحديث يعتمد على مراكز بيانات عملاقة، واستهلاك هائل للكهرباء، وسلاسل توريد الرقائق. وهنالك سقف مادي حقيقي، فلا يمكن مضاعفة الحوسبة إلى ما لا نهاية. لذلك فإن أي اختناق في الطاقة أو الرقائق قد يبرد الاستثمار.
ج- حد التشبع التقني: إذا وصلنا إلى مرحلةٍ يصبح فيها التحسن بالنماذج الذكية تدريجياً وليس قفزاتٍ ثوريةٍ سيقل الحماس الاستثماري، فالمستثمرون يمولون القفزات ويبتعدون عن التحسينات الصغيرة.
د- حد التنظيم والقانون: إن قوانين تنظيم الذكاء الاصطناعي قد ترفع من تكاليف الالتزام والامتثال لها أو تحد من استخدام البيانات أو/ مع تقلل هوامش الربح. وكلما زادت القيود، قلت شهية رأس المال المغامر.
سيناريوهات النمو/ الانفجار
من الصعب تحديد تاريخ دقيق لموعد بدء حدوث التباطؤ الاستثماري في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن بشكل عام يرسم البعض سيناريوهات عن الأمر:
السيناريو المتفاءل: 5 حتى 10 سنوات من النمو القوي، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءً أساسياً من الاقتصاد، وتستقر الاستثمارات بدل أن تنهار، ومن ثم نشهد تصحيحاً وليس انفجاراً لفقاعةٍ اقتصاديةٍ.
السيناريو المعتدل: 2 إلى 5 سنوات، وهو الأكثر واقعيةً حالياً، فهنالك بعض بوادره. وهو يتصور موجة اندماجاتٍ وإفلاساتٍ للشركات الناشئة، وبقاء اللاعبين الكبار فقط، مع انخفاضٍ حادٍ في التقييمات لكن يستمر التطوير.
السيناريو المتشائم: من 1 إلى 3 سنوات إذا حدث ركود عالمي أو أزمة طاقة أو رقائق أو فشل تجاري كبير في شركات AI، فحينها قد تنفجر الفقاعة الاستثمارية بسرعة.
وبحسب الشائع حالياً، يجري تداول ترجيحات أن الاستثمارات الضخمة لن تنتهي فجأةً، بل ستتحول من استثمار انتاجي إلى استثمار مضاربي، أي أقل ضجيج إعلاميا، وأكثر تركيزاُ على الربحية/ المنفعة، وتركيز على تطبيقات محددة بدلاً من الوعود العامة.. أي بشكلٍ يشابه ما حدث مع الانترنت بعد 2000.
ما الذي سيبقى حقًا؟
التاريخ لا يحتفظ بالضجيج، بل بالأنظمة التي تذوب في الحياة اليومية. ربما لن يبقى من الذكاء الصناعي ما نراه اليوم، وربما سيتحوّل إلى بنيةٍ غير مرئيةٍ، أو إلى أداةٍ متخصصةٍ محدودة النطاق.
المؤكد الوحيد هو هذا: ما سيبقى لن يكون ما نتوقعه، بل ما يتوافق مع الإنسان كما هو، لا كما نتخيله نحن البشر أو حتى الخوارزميات.
المراجع
[1] براين آرثر، طبيعة التكنولوجيا.
[2] كارلوتا بيريز، الثورات التقنية ورأس المال المالي.
[3] يان لوكون، محاضرات وتصريحات علمية، 2022.
[4] دراسات قوانين التحجيم في نماذج اللغة، 2020.
[5] لانغدون وينر، الحوت والمفاعل.
[6] بوكانان وشورتليف، أنظمة الخبراء القائمة على القواعد.
