himba woman namibia traditional red ochre

نساء الهيمبا: حين تحمل المرأة ثقافتها على جسدها

| |

نساء الهيمبا في ناميبيا يُدهنّ أجسادهن باللون الأحمر ويستحممن بالدخان — لكن ما تفعله هؤلاء النساء أعمق بكثير من تقليد. إنه درس كامل في الهوية والقوة.

أول مرةٍ رأيت فيها صورة لامرأةٍ من قبيلة الهيمبا، وقفت لحظةً طويلة.

لم يكن ما استوقفني هو اللون الأحمر فقط، رغم أنه آسر فعلاً. كان شيئاً في طريقة وقوفها، طريقة نظرتها إلى الكاميرا، ثقةُ لا تحتاج إلى إثبات، وقارٌ لا يعتذر عن نفسه، جمالٌ لا يطلب رأي أحد.

.. قلت لنفسي: هذه امرأةٌ تعرف من هي.

الأوتجيزي — حين يكون الجسد لوحةً ومكتبةً معاً

نساء الهيمبا (Himba) في منطقة كاوكولاند شمالي ناميبيا يدهنّ أجسادهن وشعورهن بمزيج يُسمى “أوتجيزي” (Otjize) — خليطٌ من زبدةٍ حيوانية، ودهن بقر، ومسحوق حجر المغرة الأحمر الطبيعي.

اللون الأحمر الداكن الذي ينتج ليس ديكوراً، إنه فلسفةٌ مُجسَّدة. الأحمر في ثقافة الهيمبا يرمز إلى الدم والأرض، وهما أساس الحياة في تصورهن. المرأة التي تحمل هذا اللون تقول: أنا حيةٌ، أنا من هذه الأرض، وأنا أتذكر من أين جئت.

لكن الأوتجيزي ليس رمزاً فحسب، إنه تقنيةٌ ذكيةٌ عمرها آلاف السنين: يحمي البشرة من الشمس الحارقة، ويعمل كمرطب في الهواء الجاف، ويطرد الحشرات، وينظّف الجلد بتقشير الخلايا الميتة حين يُزال. في بيئةٍ شبه صحراويةٍ شحيحة الماء، هذا الخليط هو الرد الذكي على سؤال الحياة اليومية.

الجسد في ثقافة الهيمبا ليس للعرض، هو أرشيفٌ حيّ للهوية والحكمة والانتماء.

himba woman namibia traditional red ochre

حمّام الدخان — الذكاء حين تشحّ المياه

ناميبيا من أكثر البلدان جفافاً في العالم، والمياه العذبة نادرةٌ وبعيدة، وهذا يعني أن نساء الهيمبا لا يستحممن بالماء عادةً.

بدلاً من ذلك: حمّام الدخان. يضعن جمراتٍ حارقةٍ مع أعشابٍ عطريةٍ مخصوصةٍ تحت ملابسهن الجلدية، فيتعرق الجسم ويُعقَّم بفعل الحرارة والزيوت العطرية المنبعثة من الأعشاب. حين تستيقظ المرأة، تُزال طبقة الأوتجيزي القديمة مع ما تراكم عليها وتُوضع طبقةٌ جديدة.

النتيجة؟ رائحةٌ دافئةٌ عطريةٌ تصفها النساء الغربيات اللواتي جربنها بأنها “أكثر نعومةً من أي عطرٍ صنعته يدٌ بشرية.” ليس لأن الغرب يجهل النظافة، بل لأن الهيمبا طوّرن منهجاً مختلفاً تماماً يناسب بيئتهن ويعمل بكفاءةٍ مذهلة.

الشعر الذي يروي سيرتك

في ثقافة الهيمبا، الشعر ليس موضةً، إنه لغةٌ اجتماعيةٌ دقيقةٌ يقرأها كل من في القبيلة:

  • الفتيات قبل البلوغ: ضفيرتان للأمام — بساطةٌ تدل على عمر ما قبل المسؤولية.
  • عند البلوغ: تسريحةٌ معقدةٌ مغطاةٌ بالطين والأوتجيزي — إعلانٌ بأن الفتاة دخلت عالم النساء.
  • المرأة المتزوجة التي أنجبت: ترتدي غطاء رأسٍ جلديٍ يُسمى “إيريمبي” (Erembe) يمتد للأمام — هو تاجٌ لا يُخطئه أحد، يقول: هذه امرأةٌ كاملة الأهلية والمكانة.

لا حاجة إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة “من أنت” في مجتمع الهيمبا — جسدك وشعرك يقولان ذلك بصوتٍ أعلى من أيّ سيرةٍ ذاتية.

african woman jewelry traditional

أغنية الطفل قبل أن يُولد

من أجمل ما في ثقافة الهيمبا — وأكثره إنسانيةً — تقليدٌ يتعلق بميلاد كل طفلٍ جديد.

يُعتقد أن الأم “تسمع” أغنية طفلها المستقبلي. تجلس وحدها في صمتٍ تحت شجرة، وتُصغي حتى تأتيها الأغنية. ثم تعلّمها للأب، فيغنيانها معاً خلال الحمل. ويُغنّيها المجتمع في لحظة الولادة، وتظل هذه الأغنية هويةَ الطفل طوال حياته — تُغنَّى له في أيام الفرح وفي أيام الخطأ وفي ساعة الرحيل.

التقليد يقول شيئاً عميقاً: كلّ إنسانٍ يأتي إلى الدنيا حاملاً شيئاً خاصاً به — وعلى من حوله أن يُصغوا قبل أن يتكلموا.

الهيمبا والتصورات الخاطئة — بصراحة

ثمة جانبٌ من ثقافة الهيمبا يُثير جدلاً حين يُنقَل خارج سياقه: عادة “أوكوجيبيسا أومكازيندو” (Okujepisa Omukazendu) — حيث يُتيح الزوج لضيفه المبيت مع زوجته كنوع من الكرم الاجتماعي الأقصى.

السياحة الاستهلاكية حوّلت هذه العادة إلى إثارةٍ جنسية، وهذا خطأٌ فادح. في المنطق الداخلي لثقافة الهيمبا، هذا الفعل محكومٌ بقوانينٍ اجتماعيةٍ صارمةٍ ويهدف إلى تعزيز الروابط القبلية وبناء تحالفات الثقة — لا إلى ما يتخيله السائح الغربي. هل هو مختلفٌ عن قيمنا؟ نعم، لكن الحكم عليه بمعيارٍ ثقافيٍ آخر تماماً هو بالضبط ما ترفضه الأنثروبولوجيا الجادة.

وبالمثل: ما يبدو “قذارةً” للعين السريعة، كعدم الاستحمام بالماء، والطين الأحمر على الجسد،  هو في الحقيقة تقنيةٌ بيئيةٌ متطورةٌ تناسب بيئةً لا يتحمّلها كثيرون ممن يُنتقدونها. (راجع مقالتنا: فلسفة “أوبونتو” الإفريقية: أنا موجودٌ لأننا موجودون)

namibia desert landscape africa

نظام الإرث المزدوج — قوة خفية

المجتمع الهيمبا مثيرٌ للاهتمام في تركيبه القانوني: هو أبويٌ في السلطة والقيادة، لكن الثروة — وهي الماشية في ثقافةٍ رعويةٍ — تُورَّث عبر “الخط الأمومي”. أي أن ثروة الرجل لا تذهب إلى أبنائه — بل إلى أبناء أخته. الخال يورث ابن شقيقته.

هذا النظام المزدوج، رغم تعقيده، يضمن توزيعاً للموارد يمنع تركّز الثروة في خطٍ واحد ويربط العائلات الممتدة بمصالحٍ مشتركة — حكمةٌ اجتماعيةٌ بنيويةٌ نادراً ما تُلاحظها العيون السريعة.

ما تُعلّمنا إياه نساء الهيمبا

حين أعود إلى تلك الصورة — المرأة التي تنظر إلى الكاميرا بذلك الوقار الهادئ — أفهم الآن ما رأيته.

هي لا تعرف من هي فحسب — هي تعرف لماذا هي ما هي. جسدها يحمل تاريخها، شعرها يروي مرحلتها، عملها يبني بيتها وقبيلتها، أغنيتها موجودةٌ قبل أن تُولد.. وطريقة كرمها مكتوبةٌ في قوانين أعمق من أي قانونٍ مكتوب.

في عالم يتساءل كثيراً عن الهوية وكيف نحافظ عليها وسط التغيير المتسارع — نساء الهيمبا يعشن الإجابة. ليس لأنهن خارج التاريخ، بل لأنهن داخله بقدمين ثابتتين.

راجع أيضاً: التقاليد العربية في الحياة الأمريكية | سر الـ 100 يوم: كيف يحتفل الكوريون بمواليدهم الجدد؟ | مفاهيم السعادة الأسرية عبر اللغات


المراجع:

  1. غالاي، سيلبي، وآخرون (2014). الأوتجيزي كواقٍ شمسي طبيعي لدى نساء الهيمبا. مجلة الجلديات الإفريقية. رابط الدراسة
  2. سكول، ريتشارد (2010). بقايا الممارسات القبلية في أفريقيا. موسوعة ويكيبيديا الأنثروبولوجية. نبذة عن شعب الهيمبا
  3. برامج BBC Earth وNational Geographic — وثائقيات الهيمبا (2018–2023). ناشيونال جيوغرافيك — نساء الهيمبا
  4. ديفيد لويس-ويليامز (2002). عقل في الكهف: الوعي والفن في أصول الإنسانية. لندن: تيمز وهدسون.

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *