Shattered identity mirror

هندسة الانقسام: الأفروسنتريك ومنطق الاستعمار الجديد.

|

كشف الأبعاد السياسية خلف حركات الهوية الحديثة، ودور القوى الاستعمارية السابقة في إعادة هيكلة شعوب المنطقة عبر تفتيت الميراث التاريخي.

هندسة الانقسام: المركزية الأفريقية وأدوات الاستعمار الجديد

لماذا ينفجر الجدل حول الهوية فجأة في توقيتات الاضطرابات السياسية الكبرى؟ ولماذا نشهد اليوم تصاعداً محموماً لنظريات “الأفروسنتريك” (المركزية الأفريقية) في أعقاب سنواتٍ مما سمي “الربيع العربي”؟ إن الإجابة لا تكمن في قاعات المتاحف ولا في أوراق البردي، بل في غرف التخطيط الاستراتيجي التي تسعى لإعادة هيكلة المنطقة عبر تفتيت وعيها بذاتها.

إن التاريخ لم يكن يوماً مجرد سرد لما مضى، بل هو السلاح الأكثر فتكاً في يد الهيمنة. فعندما تُهزم الجيوش، تظل الشعوب متماسكةٍ بهويتها؛ لذا كان لزاماً على “الاستعمار الجديد” أن يبتكر أدواتٍ قادرةٍ على تدمير هذا التماسك من الداخل، عبر تحويل التاريخ من “مساحةٍ مشتركة” إلى “حلبة صراعٍ عرقي”.

chess board strategy war philosophy concept

صناعة “الأقليات” والورقة العرقية

ليست حركة الأفروسنتريك بدعاً من الأمر، بل هي استمرار لنموذجٍ استعماريٍ قديمٍ برعت فيه القوى الغربية. لنتأمل النموذج الفرنسي في لبنان والمغرب العربي؛ حيث سعت فرنسا لترسيخ “الهوية الفينيقية” في لبنان و”الهوية الأمازيغية” في شمال أفريقيا، ليس حباً في تلك الحضارات، بل لضرب الهوية الوطنية الجامعة وفصل هذه الشعوب عن محيطها الطبيعي.

“إن استحضار الإرث القديم (سواء كان فينيقياً، أو أمازيغياً، أو أفروسنتريك) في سياقٍ إقصائي، لا يهدف لإحياء التاريخ، بل لتعويم الهوية الوطنية وجعلها سيولةً بلا ضفاف، مما يسهل اختراقها وتوجيهها.”

اليوم، يتم استنساخ هذا النموذج في مصر. فمن خلال الترويج لأن المصريين الحاليين هم “غزاةٌ عرب” لا علاقة لهم بالحضارة الفرعونية، يتم خلق “أقليةٍ متوهمة” أو “أغلبيةٍ فاقدةٍ للشرعية”، مما يمهد الطريق لتدخلاتٍ خارجيةٍ تحت دعاوي “حماية حقوق أصحاب الأرض الأصليين” أو “الحفاظ على الميراث البشري”.

Old colonial map document

نزع الشرعية عن الدولة الوطنية

تكمن الخطورة الفلسفية والسياسية لفكرة “إن السكان الحاليين غزاة” في أنها تنزع “القدسية” عن الدولة الوطنية وسيادتها على أرضها. إذا نجح الأفروسنتريك في إقناع الرأي العام العالمي بأن الشعب المصري “مستوطن”، فإن ذلك يمنح القوى الدولية ورقة ضغطٍ سياديةٍ هائلة.

هذا الخطاب يخدم مشاريع “إعادة هندسة المنطقة” التي تهدف لتحويل الدول المركزية الصلبة إلى مجرد “فسيفساء عرقية” هشّة. فبدلاً من دولةٍ مصريةٍ قوية، يراد لنا أن نكون “شظايا هوياتية” تتصارع على اللون والعرق، وهو ما يضمن استنزاف القوى الحيوية للمجتمع في صراعاتٍ داخلية لا تنتهي، تماماً كما حدث في سيناريوهات “الثورات الملونة” التي مولتها أطرافٌ دوليةٌ لتغيير ملامح المنطقة وجغرافيتها السياسية.

التمويل والتعويم الثقافي

لا يمكننا قراءة صعود الأفروسنتريك بمعزل عن شبكات التمويل الدولية. إن مراكز البحث في الغرب، وبعض المنظمات العابرة للقارات، تضخ ميزانياتٍ ضخمةٍ لإنتاج أفلام “وثائقية” تزييف الواقع، وتنظيم “رحلات جذور” مشبوهةٍ، ودعم باحثين يتبنون هذه الرؤى الإقصائية.

هذا “التعويم الثقافي” يهدف لخلق حالةٍ من “الاغتراب التاريخي” لدى الأجيال الجديدة. فعندما يفقد الشاب المصري ثقته في انتمائه لأجداده، يصبح لقمةً سائغةً لأيّ أيديولوجيا مستوردة، سواء كانت “عولمة” تذيب الفوارق، أو “عرقية” تزرع الأحقاد. إنها عملية “إعادة ضبط مصنع” للشعوب، تُجرى في مختبرات السياسة الدولية لتسهيل السيطرة على الموارد والقرار السياسي.

Shattered identity mirror

الخلاصة: الوعي حائط الصد الأخير

إن مواجهة الأفروسنتريك لا تكون بالسب والتحقير، بل بالوعي التاريخي المسلح بالدليل العلمي والمنطق الجغرافي. يجب أن ندرك أننا لسنا أمام “خطأ تاريخي” عفوي، بل أمام “مشروعٍ سياسي” منظمٍ يستهدف تدمير التماسك المجتمعي.

إن حماية الهوية الوطنية هي جزءٌ لا يتجزأ من حماية الأمن القومي. وأنا ككاتب ومواطنٍ، ولدت وأعيش في مصر، عليّ بأن أعي أننا كمصريين نتاج انصهارٍ حضاريٍ فريد: مشرقي وأفريقي ومتوسطي.. هذا الوعي هو الكفيل بإحباط محاولات “الاستعمار الجديد” لتقسيمنا إلى ألوان وأعراق تناسب مشاريع النهب الجديدة التي يحضرونها. إن التاريخ هو الحصن، فإذا سقط الحصن، سقطت الأرض.


هل فاتك الجزء الأول؟
الأفروسنتريك: تهافت الجغرافيا وأوهام الهوية

المصادر والمراجع:

  1. إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، (لتحليل نظرة الغرب للتاريخ الشرقي).
  2. جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير، دار الشروق.
  3. فرانز فانون، معذبو الأرض، (حول استخدام الثقافة في معارك التحرر).
  4. تقارير مراكز الأبحاث حول “الهندسة الاجتماعية” في منطقة الشرق الأوسط (2011-2025).

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *