حين كانت دمشق تكتب للعرب — نوستالجيا الدراما السورية
من أحلام كبيرة إلى الخروج إلى البئر، تحاول هذه المقالة رثاء عصرٍ ذهبي لم يكن وليد المصادفة، وتساؤل مفتوح: هل الشروط الموضوعية لنهضة الدراما السورية قابلةٌ للعودة؟
كل شيءٍ ضاق.. ضاق حتى ضاع.
هذا المطلع من ترتيلة الشاعر نزيه أبو عفش التي أدّتها نورا رحال شارةً لمسلسل أحلام كبيرة عام 2004، لم يكن يومها مجرد كلمات أغنية، بل كان نبوءةً مُلحنةً عن صناعة بأسرها. نحن اليوم نقف أمام تلك الكلمات مرةً أخرى، لا لنُغنّيها طرباً، بل لنفهم لماذا صارت رثاءً.
الزمن الذي كانت فيه دمشق تكتب للعرب
ثمة حقيقة لا تحتاج إلى جدال: في مطلع الألفية الثالثة، كانت الدراما السورية هي الأكثر مشاهدةً في العالم العربي. في عام 2010 وحده، عُرضت ثمانيةٌ وعشرون مسلسلاً سورياً على ستٍ وعشرين قناةً عربية حول العالم، في ظاهرةٍ لم تعرفها أيٌ من الصناعات الدرامية العربية الأخرى قبلها ولا بعدها.
كيف حدث هذا؟ الإجابة المُبسَّطة تقول: مواهب استثنائية. والإجابة الأعمق تقول: شروط موضوعية نادرة التكوين، صعبة الإعادة.
أوّل هذه الشروط مؤسسة صامتة لا يُذكر اسمها كثيراً: المعهد العالي للفنون المسرحية، الذي تأسّس في دمشق عام 1977.[1] من داخل تلك الجدران تخرّج جيلٌ كامل من الممثلين والكتّاب والمخرجين، تربّى على جماليات الواقعية الاجتماعية، ومهجوسٌ بسؤال واحد: كيف تُحكى الحياة كما هي؟ لم يكن هذا الجيل يعمل لأجل البهرجة، بل لأجل شيءٍ يشبه الشهادة.
الشرط الثاني أكثر تعقيداً وأشد إثارةً للجدل. رصدت الباحثة الإيطالية دوناتيلا ديلا راتا، التي أمضت سنواتٍ في دمشق درساً ميدانياً لتلك الصناعة، ظاهرةً وصفتها بـ“استراتيجية الهمس”: نوعٌ من التوازن الهشّ والضمني بين السلطة وصنّاع الدراما، لا إكراهٌ صريح ولا حريةٌ مطلقة، بل مساحةٌ رمادية تفاوضية اشتغل فيها المبدعون بذكاء، يتحايلون على القيود ويقتنصون منها ما يكفي لإنجاز أعمال ذات عمق حقيقي.[2] لم يكن النظام راعياً للإبداع بالمعنى النبيل، ولم يكن عائقاً مطلقاً. كان — بحسب هذا التوصيف — طرفاً في معادلة دقيقة التوازن، وحين اختلّت تلك المعادلة، تهاوت معها الصناعة.
وصفت الباحثة الأمريكية كريستا سالاماندرا، التي تتابع الدراما السورية منذ عام 1992، كيف أن التلفزيون في ذلك العصر كان “المنصة الأساسية لحرية التعبير وللتوظيف الفني والفكري” في غياب صحافة حرة وحياة سياسية تشاركية حقيقية.[3]
بمعنى آخر: الدراما السورية لم تنشأ رغم السياق، بل في حواشيه، في الهامش الضيق الذي أتاحه ذلك السياق بقصدٍ أو بغير قصد. وهذا بالضبط ما يجعل السؤال عن مستقبلها اليوم أشدّ صعوبةً مما يبدو.
ثلاثة أسماء ترسم صورة جيل
لفهم ما جرى، يكفي أن نتأمل مسارات ثلاثة أسماء تنتمي إلى جيلٍ واحد:
وُلد حاتم علي عام 1962 في الجولان المحتل، وهُجِّر طفلاً مع أسرته بعد عام 1967، وعاش في مخيم اليرموك. من تلك البداية المُثقَلة بالمنفى رسم مخرجٌ لن يُضاهَى في قدرته على تحويل الألم إلى صورة. الفصول الأربعة والزير سالم والتغريبة الفلسطينية وصلاح الدين الأيوبي وأحلام كبيرة والملك فاروق وعمر — أعمالٌ تسكن الذاكرة الجمعية العربية. في عام 2011 رفض الانخراط في أي عملٍ يتناول الأزمة السورية معتبراً أن “الإبداع لا يتكلم عن حدثٍ سياسي بهذا الحجم قبل أن يكتمل.” وبحلول 2018 صدر قرارٌ بفصله مع نحو مئتي فنانٍ آخر من نقابة الفنانين السوريين.[4] في 29 ديسمبر 2020، مات في القاهرة وحيداً عن ثمانية وخمسين عاماً، وكان يستعد لإخراج مشروع جديد لم يُكمله.
ليس هذا رحيلاً فقط. هذا غيابٌ أُنجز قبل الموت بسنوات.
أما حسن سامي يوسف، فلسطيني سوري وُلد في قرية لوبيا قرب طبريا، ولجأت أسرته بعد النكبة إلى لبنان ثم دمشق، درس السينما في موسكو وعاد ليكتب للدراما السورية بعضاً من أرهف ما عرفته الشاشة العربية. في مجموعته النصية عتبة الألم التي كتبها في سنوات قحطه الإبداعي أوائل الأزمة، فهمنا لماذا عجزت الدراما السورية عن الكتابة عما يجري حقاً: “الحقيقة مخجلةٌ أكثر من فيلم بورنو وسط سهرةٍ عائلية”، كما كتب بتلك المرارة الجميلة الخاصة به. حوّل تلك النصوص لاحقاً إلى مسلسل الندم عام 2016، وكان آخر أعماله قبل أن ينحسر التمويل ويُغلق الباب في وجهه مشروعاً بعد مشروع. توفي في دمشق في أغسطس 2024 عن تسعةٍ وسبعين عاماً، وآخر سيناريو كتبه بقي متوقفاً دون إنتاج.[5]
الأكثر حزناً من وفاته هو رحيله الفني الذي أجبرناه عليه. قَتَلنا فيه الإبداع والعطاء وهو لا يزال حياً — أهكذا كنا نتدرّب على وداعه؟
وبالمقابل، ثمة نجدة أنزور، ابن حلب من أصولٍ شركسية، أول من أدخل الفيديو كليب إلى العالم العربي، صاحب نهاية رجل شجاع والجوارح وذاكرة الجسد. في دورة 2016-2020 كان نجدة أنزور نائباً في مجلس الشعب السوري. الرجل الذي بدأ في المكان ذاته، في عالمٍ صناعيٍ واحد، انتهى إلى ضفةٍ مختلفةٍ تماماً. لا حكم هنا، فالأحوال تصنع الناس كما تصنع الناسُ الأحوال، لكن الصورة في مجموعها — حاتم مفصول، حسن صامت، نجدة في البرلمان — هي صورة جيلٍ تشقّق من داخله قبل أن تتشقق البلاد.
حين صارت الخليج هي المنتج الحقيقي
قبل 2011 كانت الدراما السورية تُموَّل جزئياً من رأسمال سوري خاص وجزئياً من إنتاجٍ مشترك بدأ يشقّ طريقه نحو الخليج. بعد 2011 انعكست المعادلة: التمويل الخليجي لم يعد شريكاً بل مانحاً يشترط. الاشتراطات لم تكن دائماً صريحةً لكنها كانت حاضرة دائماً في غرف الكتابة وطاولات الإنتاج: لا سياسة فلسطينية، لا مشاهد تُزعج محاور إقليمية، لا “سورية” بالمعنى الكامل لكلمة سورية.
سأل السيناريست حسن سامي يوسف نفسه يوماً بصوتٍ مسموع: هل يقبل التمويل الخليجي أي محتوىً يذكر غزة ولو في مشهدٍ ثانوي؟ هل يقبل مشهداً عن 7 أكتوبر ولو عابراً؟ هل ثمة من يريد كاتباً سورياً-فلسطينياً يرفض التخلي عن أيٍّ من هاتين الهويتين؟ كانت الإجابة صامتةً وقاطعة. “نحن السوريون لم نعد مقبولين إن لم نستغن عن ماهيتنا”، كتب. هذه الجملة تُلخّص ما حلّ بالدراما السورية بعد 2011 أفضل من كل التقارير الإنتاجية مجتمعة.
يُذكّرنا هذا بتلك المقابلة الإذاعية التي جمعت الإذاعية هيام الحموي بالموسيقار زياد الرحباني عام 2008، حين أعلن زياد أنه لم يجد من يُموّل تسجيل أغانٍ جديدة لفيروز. لم يُصدّق أحد. وبعد عام كرّر الكلام نفسه. فيروز لا تجد مموّلاً — إن كان هذا ممكناً، فكل شيء ممكن. وإن كان الكاتب الأكبر في الدراما السورية يُودَّع بمسودات متوقفة، فنحن لسنا أمام أزمة إنتاجية، بل أمام أزمة وجودية.
رمضان 2026: انبعاثٌ أم موجة؟
في موسم رمضان 2026، ثمة ما يستحق الوقوف عنده. تُعرض مسلسلات تتناول موضوعاتٍ كانت محظورةً بالكامل: جرائم سجن صيدنايا في الخروج إلى البئر، وقسوة انقلاب حافظ الأسد وجرائم سرايا الدفاع في حماة في السوريون الأعداء للكاتب رافي وهبي والمخرج الليث حجو.[6] خمسةٌ وعشرون مسلسلاً، وموضوعاتٌ كانت لمجرد كتابتها تكفي لإغلاق الأبواب. هذا لا يُستهان به.
لكن ثمة سؤالٌ يلحّ: من يكتب؟ من يُخرج؟ من يُنتج؟ الشروط الموضوعية للدراما السورية — جيل المعهد المدرَّب، البنية التحتية الإنتاجية، الكتّاب الكبار، التوازن الدقيق بين التعبير والقيد الذي أفرز جمالياتٍ خاصة — كل هذه الشروط تبدّلت، أو غابت، أو ماتت حرفياً. حاتم علي رحل. حسن سامي يوسف رحل. كتّابٌ ومخرجون آخرون تشتّتوا في أوروبا والخليج وتركيا وأمريكا.
يقول المخرج الليث حجو، الذي يقف وحده تقريباً من جيل الوسط الذي حافظ على استمراريةٍ ما: إن ما يُنجز الآن هو أعمالٌ سورية بالموضوع والهاجس، لكن معادلة الصناعة بأسرها لم تُعَد بناؤها بعد. وهذا صادق تماماً.
الفنون قاطبةً من أهم المؤشرات التي توحي ببقاء الأمم على قيد الحياة، لأن النشاط الإبداعي هو تحقيقٌ لأعلى مراتب الحاجات البشرية. وحين تموت الفنون، لا يموت الفن وحده — يموت معه جزءٌ من تعريف الأمة لنفسها.
السؤال الذي لا إجابة له
في المشهد الأخير من أحلام كبيرة، يسأل الأب ابنه عمر وهو يرى الابتسامة على وجهه: “شو! ليش عم تضحك؟” فيُجيب عمر: “على هالدنيا يا أبو عمر.” ثم يُفسّر بعد صمتٍ: “لأنو صايرة بالمقلوب، يلي بيمشي فيها صح بيوقع على وجهه.. الأحلام كانت كتير كبيرة.”
كتبت هذا المشهد الكاتبة ريم حنا قبل سبع سنواتٍ من أحداث 2011، وقبل اثنتين وعشرين سنةً من لحظتنا الراهنة. ومع ذلك يبدو كأنه كُتب أمس، وكأن مَن كتبه كان يعرف كيف ستنتهي القصة.
هل يمكن للدراما السورية أن تنهض كما كانت؟ السؤال مشروع، والأمل مشروع. لكن ما كانت عليه الدراما السورية في عصرها الذهبي لم يكن مصادفةً، ولم يكن هبةً من السماء. كان نتاج شروطٍ تاريخية وبشرية وموسسية ومهنية تكوّنت ببطءٍ على مدى عقود. هذه الشروط تشتّت بعضها، ومات بعضها، وهاجر بعضها، وتبدّل بعضها الآخر.
ما يُعرض اليوم باسم “الدراما السورية” قد يكون صادقاً في نواياه، جريئاً في موضوعاته — وهذا حقٌ يُقال. لكنه لا يحمل بالضرورة تلك الهويةَ المُركَّبة التي جعلت الدراما السورية في يومٍ ما صناعةً لا يُنافَس، وصوتاً لا يُشبهه صوت.
بعض الأشياء حين تنكسر، لا تعود كما كانت. وبعض الأحلام — مهما كبرت — لا تُعاد.
كل شيءٍ ضاق.. ضاق حتى ضاع.
المراجع والمصادر
- المعهد العالي للفنون المسرحية، دمشق، تأسّس عام 1977.
- Della Ratta, Donatella. Shooting a Revolution: Visual Media and Warfare in Syria. Pluto Press, 2018. — مقابلة ديلا راتا حول استراتيجية الهمس، جدلية 2017
- Salamandra, Christa. “Television and the Ethnographic Endeavor: The Case of Syrian Drama.” Arab Media & Society, 2005. — النص الكامل — وانظر أيضاً: تصريح سالاماندرا لوكالة AP، 2026
- Salamandra, Christa. “Past Continuous: The Chronopolitics of Representation in Syrian Television Drama.” Middle East Critique, 2019. — النص الكامل
- Salamandra, Christa. “The Dictator’s New Clothes: Syrian Drama’s Prescience.” Allegra Lab, 2025. — رابط المقال
- كنعان، وسام. “من انهيار السدّ إلى الخروج إلى البئر: كيف تغيّرت الدراما السورية بعد سقوط الأسد؟” الجزيرة نت، فبراير 2026. — رابط المقال
- Joubin, Rebecca. The Politics of Love: Sexuality, Gender, and Marriage in Syrian Television Drama. Lexington Books, 2013.
- Cooke, Miriam. Dissident Syria: Making Oppositional Arts Official. Duke University Press, 2007.


