prompt writing AI creative process workflow

المحاكاة الثالثة: الفن في عصر الذكاء الاصطناعي

| |

إذا كان الفن محاكاةً للواقع، فالذكاء الاصطناعي محاكاةٌ للمحاكاة. ما الذي يبقى من الإبداع حين تُنتج النسخُ نسخاً؟

في مطلع عام ٢٠٢٣، فازت لوحةٌ بعنوان “مسرح أوبرا الفضاء” بالجائزة الأولى في معرض كولورادو للفنون الرقمية. المشكلة الوحيدة كانت أنها لم تُرسَم. لم يمسّ فرشاةً ولم يُخلط ألواناً ولم يقضِ صاحبها جيسون ألن ساعاتٍ أمام لوحته. أدخل وصفاً نصياً في برنامج Midjourney وأجرى تعديلاتٍ واختار بين مئات النتائج التي أنتجها الذكاء الاصطناعي في دقائق. حين اعتُرض على فوزه، أجاب بهدوء: “لقد اتبعتُ القواعد.”

الجدل الذي أُثير لم يهدأ حتى الآن. ليس لأن جيسون ألن كذب، بل لأنه صدق. وصدقه كان أكثر إزعاجاً من أي كذبة.

في المقالة السابقة من سلسلتنا (جمهورية الخوارزميات: من يحكم المدينة الرقمية؟)، رأينا كيف تحكم الخوارزمية ما نراه ونُفكّر فيه. هذه المقالة تُتابع الخيط نفسه لكن في مكانٍ أشد حساسيةً: الإبداع. حين لا تكتفي الخوارزمية بتوصية الفن، بل تُنتجه، يصبح السؤال: ما الذي يتبقى من الفن أصلاً؟

art colorful abstract painting

 

أفلاطون والفنان: محاكاةٌ في الدرجة الثالثة

تحدثنا في المقالة الثالثة من هذه السلسلة (المُثُل أم الكود) عن موقف أفلاطون من الفن بشكلٍ عابر. هنا نتوقف عنده أكثر، لأنه اليوم أكثر راهنيةً مما كان في حياته.

أفلاطون كان يكره الفن. ليس لأنه لم يُدرك جماله، بل لأنه فهمه جيداً وخاف منه. في جمهوريته، طرد الشعراء والفنانين من المدينة المثالية، لأن الفن في نظره خادعٌ بطبيعته: الرسام يُقدّم صورة الكرسي بدلاً من الكرسي، والكرسي نفسه مجرد نسخة ناقصة من “الكرسي المثالي” في عالم المُثُل. إذن الرسم هو محاكاةٌ لمحاكاة، نسخةٌ من نسخة، ابتعادٌ مضاعف عن الحقيقة.

وكان الأخطر في نظره أن الفنان لا يُعلّمك عن الكرسي شيئاً حقيقياً. النجار الذي يبنيه يعرف خشبه ومسامره وأحماله. الفيلسوف الذي يتأمله يعرف ماهيته الجوهرية. أما الرسام فلا يعرف سوى مظهره من زاويةٍ بعينها في ضوءٍ بعينه. الفن إذن ليس معرفة، بل وهمٌ بالمعرفة، وهو من هذه الزاوية أشد خطراً من الجهل الصريح.

الآن تأمّل ما يفعله الذكاء الاصطناعي التوليدي. برنامج Midjourney تعلّم من مئات الملايين من الصور البشرية، وهي نفسها محاكاةٌ للواقع. ثم يُنتج صوراً جديدة هي إجماعٌ إحصائي على هذه المحاكاءات. محاكاةٌ لمحاكاةٍ لمحاكاة. إذا كان أفلاطون قد وضع الفن في الدرجة الثالثة من الحقيقة، فأين نضع فناً أنتجته خوارزمية تعلّمت من فنٍّ بشري تعلّم بدوره من الواقع؟

راجع مقالتنا: من Midjourney إلى Flux المجاني: دليل منصات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي 2026

ربما لم يكن لدى أفلاطون ما يكفي من الأرقام لوصف البعد الذي وصلنا إليه. الفن البشري كان درجةً ثالثة من الحقيقة. الفن الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي بعد التدريب على الفن البشري قد يكون درجةً رابعة. وحين يُدرَّب الذكاء الاصطناعي لاحقاً على ناتجه هو، ماذا نُسمّي ما ينتج؟

NFT digital art gallery abstract colorful

كيف يصنع الذكاء الاصطناعي الصورة: الشرح الذي يُغيّر كل شيء

لفهم ما يحدث فلسفياً، لا بد من فهمه تقنياً. ما يصنعه Midjourney وDALL-E 3 وStable Diffusion لا يُشبه ما يفعله أي أداة رسم سابقة. إنه ليس تلاعباً بصور موجودة ولا تركيباً لعناصر مُحدَّدة مسبقاً. ما يحدث أعمق من هذا.

هذه البرامج تعتمد على ما يُسمّى نماذج الانتشار (Diffusion Models): في مرحلة التدريب، يُضاف ضجيجٌ عشوائي إلى ملايين الصور تدريجياً حتى تتحول إلى تشويشٍ كامل، ويتعلم النموذج كيف يعكس هذه العملية، أي كيف ينتزع صورةً ذات معنى من فوضى. في مرحلة الإنتاج، يبدأ النموذج من ضوضاء عشوائية ثم يُطبّق ما تعلّمه مُوجَّهاً بوصفٍ نصي، حتى تتشكّل صورةٌ تُطابق الوصف وتنتمي إلى عالم الصور التي رآها أثناء تدريبه.

النقطة الجوهرية: النموذج لا “يعرف” ما هو الحصان أو القلعة أو غروب الشمس. يعرف فقط أن هذه الأنماط من البكسلات تُصاحب هذه الكلمات في مليارات الأمثلة التي رآها. إنه ذاكرةٌ إحصائيةٌ ضخمةٌ للعلاقات بين المفاهيم والمظاهر البصرية. لا فهم، لا قصد، لا رؤية. ومع ذلك النتيجة في الغالب مذهلة.

أبرز نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي للصور والفيديو (٢٠٢٤–٢٠٢٦)
الأداة النوع المطوّر ما تُتيحه
Midjourney v6 صور ثابتة Midjourney Inc. جودة سينمائية استثنائية، الأقوى فنياً
DALL-E 3 صور ثابتة OpenAI دقة في النصوص داخل الصورة، مدمج في ChatGPT
Stable Diffusion صور ثابتة Stability AI مفتوح المصدر، قابل للتخصيص الكامل
Sora فيديو OpenAI مقاطع فيديو دقيقة وأكثر بجودة سينمائية من نص
Runway Gen-3 فيديو Runway توليد الفيديو وتعديله، يُستخدم احترافياً
Udio / Suno موسيقى Udio / Suno AI أغانٍ كاملة بكلماتٍ وموسيقى من وصف نصي

سورا (Sora) من OpenAI يستحق وقفةً خاصة. طُرح للعموم في ديسمبر ٢٠٢٤، وهو يُنتج مقاطع فيديو يصل طولها لدقيقة واحدة بجودةٍ سينمائية حقيقية من وصفٍ نصي. الكاميرات تتحرك، الإضاءة تتغير، الشخصيات تتفاعل مع محيطها ببعض الاتساق. ما كان يستلزم طاقم إنتاجٍ وميزانية وأسابيع تصوير، بات ممكناً لأي شخصٍ في دقائق. المسافة بين هذه القدرة وبين فيلمٍ احترافي كاملٍ باتت مسألة سنتَين أو ثلاث لا أكثر وفق تقديرات معظم المختصين.

راجع مقالتنا: الفيديو والصوت بالذكاء الاصطناعي: Sura و Runway و Pika و ElevenLabs

حرب حقوق الملكية: من يملك ذاكرة الذكاء الاصطناعي؟

في فبراير ٢٠٢٣، رفعت وكالة صور Getty Images دعوى قضائية ضد Stability AI، مدّعيةً أن النموذج تدرّب على ما يزيد على ١٢ مليون صورة من أرشيفها المحمي بدون ترخيص أو تعويض. في العام ذاته، رفع مئات الفنانين دعاوى مماثلة ضد Midjourney وStability AI وDeviantArt.

القضايا لا تزال في المحاكم، لكنها تطرح سؤالاً لا إجابة قانونية واضحة له بعد: هل “التعلم” من عمل فنيٍ محمي يُعدّ انتهاكاً لحقوق الملكية الفكرية؟

الشركات المطوّرة تحتج بأن التعلم الآلي مماثلٌ لتعلّم الإنسان: الفنان يرى ملايين اللوحات طوال حياته ويتأثر بها ولا يدفع لأصحابها شيئاً. المحاكاة التي يُنتجها ليست نسخاً حرفية بل إبداعاً جديداً مستلهماً. الفنانون المتضررون يردّون: الإنسان يرى اللوحة ويُعيد معالجتها في سياق حياتي كامل من التجربة والعاطفة والذاكرة الجسدية. النموذج “يرى” ويُضغط إحصائياً. الفارق ليس درجياً، بل نوعي.

الجانب الأكثر تعقيداً هو اقتصاديٌّ لا قانوني: قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج ما يُشبه فن مصوّرٍ بعينه أو مصمم بعينه في ثوانٍ تُهدد مباشرةً قدرة هؤلاء المحترفين على العيش من مهنتهم. ليس لأن الذكاء الاصطناعي أفضل منهم بالضرورة، بل لأنه أسرع وأرخص بفارقٍ يستحيل تعويضه بالجودة وحدها في أسواقٍ تنافسية.

prompt writing AI creative process workflow

 

من هو المؤلف؟ سؤالٌ لا تُريد المحاكم الإجابة عنه

في مارس ٢٠٢٣، قرر مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي أن الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بالكامل لا تستحق حماية حقوق الملكية الفكرية، لأن القانون الأمريكي يشترط مؤلفاً بشرياً. في الوقت ذاته، قرر المكتب أن المحتوى الذي يُنتجه الإنسان بمساعدة الذكاء الاصطناعي قد يستحق الحماية، لكنه لم يُحدّد بدقة أين يقع الخط بينهما.

هذا الغموض ليس إخفاقاً قانونياً فحسب، بل هو انعكاسٌ لغموضٍ فلسفي حقيقي: مَن الذي صنع الصورة التي أنتجها جيسون ألن؟

يمكن القول: ألن صنعها، لأنه اختار الوصف النصي وأجرى التعديلات وانتقى النتيجة، وهذه قراراتٌ إبداعيةٌ حقيقية. يمكن القول: Midjourney صنعها، لأن الخوارزمية هي التي حوّلت الكلمات إلى بكسلات. يمكن القول: الفنانون الذين تدرّب النموذج على أعمالهم صنعوها، لأن رؤيتهم الجمالية هي ما يُشكّل “ذاكرة” النموذج. ويمكن القول: لم يصنعها أحد بالمعنى التقليدي.

كل إجابةٍ من هذه تتضمن حقيقةً جزئية، وكلها معاً لا تُشكّل إجابةً كاملة. وهذا بالضبط يُقلق الفنانين أكثر من أي دعوى قضائية.

artist painting studio creative process

وول-إي والآلة التي تحكي القصص: ما تقوله السينما

في فيلم Pixar الرائع وول-إي (WALL-E، 2008)، يعيش روبوتٌ صغير وحيداً على أرضٍ مهجورة يُقضّي وقته في جمع أشياء البشر وتكديسها. من بين ما جمع أقراصٌ مضغوطة وأشياء قديمة، واحدةٌ منها: فيلم Hello, Dolly! القديم. يشاهده وول-إي مراراً، يتعلم من مشاهده كيف يعبّر عن الحب، ويُقلّد المشي على أطراف القدمَين الذي رآه في رقصاتٍ المشاهير. الروبوت يتعلم الفن، ويُعيد إنتاجه، ويتأثر به عاطفياً بطريقةٍ تبدو حقيقية.

الفيلم لم يكن يتحدث عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنه وصفه قبل وجوده بدقةٍ مدهشة: كيانٌ يتعلم من الإبداع البشري ويُعيد إنتاجه، غير واضحٍ ما إذا كانت محاكاته “حبّاً حقيقياً” أم مجرد نمط سلوك اكتسبه من البيانات.

الفارق بين وول-إي وبين Midjourney هو أن وول-إي يُجسّد ذلك الغموض بشكلٍ يجعلك تتعاطف معه وتتساءل. Midjourney لا يتساءل. هو لا يجلس في حيرة أمام لوحته كما يجلس وول-إي أمام فيلمه. هو يُنتج ويمضي إلى الطلب التالي. والسؤال الذي يطرحه هذا الفارق ليس هل الذكاء الاصطناعي يشعر، بل: هل الشعور ضروريٌّ لإنتاج الفن؟

إذا أنتج ذكاءٌ اصطناعي لوحةً تُحرّك في المشاهد مشاعر حقيقية، ولم يشعر هو بشيءٍ أثناء إنتاجها، فمن صاحب تلك المشاعر؟ هل الجمال في اللوحة أم في عيون من تراها؟

الموسيقى: الساحة الأشد مقاومة والأسرع سقوطاً

لو سألتَ معظم الناس قبل ثلاث سنوات: ما أصعب أشكال الفن على الذكاء الاصطناعي؟ كانت الإجابة الأكثر شيوعاً: الموسيقى. لأن الموسيقى لا تُرى، بل تُحسّ. لأن التوقيت فيها يقاس بالمليثانية. لأنها تتطلب فهماً للعاطفة لا مجرد التعرف على النمط.

كانوا مخطئين في التوقيت. Suno وUdio باتا قادرَين على إنتاج أغانٍ كاملة بأصواتٍ ومقاطع وهارمونيات وكلماتٍ، من وصفٍ نصي لا يتجاوز جملتَين. جودة ما تُنتجانه في عام ٢٠٢٥ أفضل من معظم المحتوى الموسيقي الذي يُنشر يومياً على Spotify وApple Music من فنانين بشريين مجهولين. هذا ليس رأياً، بل نتيجة دراسات أُجريت على المستمعين الذين لم يستطيعوا التمييز في نسبٍ تجاوزت الستين بالمئة.

صناعة الموسيقى ردّت بالسرعة التي تفرضها مصالحها: في أكتوبر ٢٠٢٣، رفعت شركات Universal Music وSony Music وWarner Music دعوى مشتركة ضد Suno وUdio بتهمة التدريب غير المرخّص على الأرشيف الموسيقي المحمي. في العام ذاته، أُدرجت حماية الفنانين من الاستبدال بالذكاء الاصطناعي ضمن مطالب نقابة SAG-AFTRA في إضرابها الشهير، وحصلت على بنودٍ تحمي هويات الفنانين الصوتية من الاستنساخ.

لكن ورقة التوت القانونية لا تُبطّئ التقنية. كل يومٍ تُنتج نماذج الذكاء الاصطناعي الموسيقي محتوىً يزيد بأضعافٍ مضاعفة على ما تُنتجه صناعة الموسيقى العالمية بأسرها. المسألة الحقيقية لم تعد إذن “هل الذكاء الاصطناعي يستطيع صنع الموسيقى؟” بل “ماذا يعني أن صنع الموسيقى لم يعد حكراً على البشر؟”

الفن بوصفه شهادة: ما لا تستطيع الخوارزمية اختراعه

شاهدت ذات مرةٍ تقريراً عن صور الصحفي الحربي جيمس ناكتوي. لم أكن أعرف كثيراً عنه. أوقفت مقطع الفيديو عند صورةٍ أخذها في رواندا عام ١٩٩٤. رجلٌ على الأرض، ظلٌّ خلفه، ضوءٌ يأتي من باب، تمعنت في الصورة مطولاً.

ما أوقفني لم يكن التقنية، فالتقنية كانت بسيطة، ولم يكن دقة الصورة. ما أوقفني أن شخصاً كان هناك، في ذلك المكان، في تلك اللحظة، مع جسده وخوفه وخياره أن يُبقي عيناً مفتوحة وإصبعاً على الزناد. الصورة كانت شهادةً بمعنى الكلمة الكامل: كيانٌ ذو وعيٍ واجه الواقع واختار أن يُوثّقه.

الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إنتاج شهادة. يستطيع إنتاج ما يُشبه الشهادة بصرياً، ما يثير في المشاهد ما تثيره الشهادة. لكن لا أحد كان هناك، لا خوف ولا اختيار ولا جسد تعرّض لشيء. والفرق بين الاثنَين ليس جمالياً فحسب، بل أخلاقي وميتافيزيقي.

هذا الفارق يتجلى أيضاً في الفن الأدائي حين تصبح آلامٌ بعينها مصدراً للإبداع. المصورة الفوتوغرافية الأمريكية سيندي شيرمان تلتقط صور المرأة وخبراتها من داخل تجربةٍ عاشتها. الرسامة السريالية المكسيكية فريدا كالو رسمت جسدها المتألم من موقع ذلك الجسد. الشاعر الوجدان الأفرو- أمريكي لانغستون هيوز كتب عن هارلم بصوتٍ يحمل ذاكرة جماعية لا تُكتسَب بالتدريب. كل هذه الأعمال تحمل داخلها شيئاً أشبه بالوقوف في مكانٍ ما وقت حدوثٍ ما، وهذا تحديداً ما لا يستطيع نموذجٌ مدرَّبٌ على بياناتٍ محايدةٍ اختراعه.

artist painting studio

كهف أفلاطون والفن: قراءة خامسة

في الكهف الأصلي، المقيّدون يرون ظلالاً ويُسمّونها واقعاً. الفنان، في تصوّر أفلاطون، يُقدّم ظلال الظلال ويُسمّيها فناً. الذكاء الاصطناعي التوليدي يُنتج ظلال ظلال الظلال ويُسمّيها إبداعاً.

لكن هنا يقع التعقيد الحقيقي الذي لم يتوقعه أفلاطون: بعض ظلال الظلال تُحرّك في المشاهد شيئاً حقيقياً، فصورة Midjourney قد تُبكيك، وأغنية Suno قد تُحرّك فيك شوقاً، بينما مقطع Sora قد يُذهلك. هذه استجاباتٌ حقيقية لمثيراتٍ لا وجود لوعيٍ حقيقي خلفها. وهذا بالضبط ما يجعل السؤال الفلسفي مزعجاً: إذا كانت التجربة الجمالية مكتملةً في غياب القصد والشهادة، فهل القصد والشهادة ضروريَّين للفن أصلاً؟

أفلاطون كان سيقول نعم، لأن الفن عنده ينبغي أن يُقرّبنا من الحقيقة لا يُبعدنا عنها. الفن الذي ينتجه شيءٌ لا يعرف الحقيقة لا يمكن أن يكون أداةً نحوها. لكن تاريخ الفن يُعلّمنا أن الجمال أحياناً يُقرّبنا من الحقيقة بطريقٍ لا نفهمها، وأن الأداة قد تخدم غرضاً يتجاوز فهم صانعها. الآلة الموسيقية لا تفهم الموسيقى. والسؤال هو ما إذا كان الفنان الذي يُشغّلها ضرورياً حتماً.

خلاصة: ما يبقى حين يُنتج الجميع كل شيء

للأمانة، نحن في لحظةٍ تاريخيةٍ غريبة: الأدوات الإبداعية بلغت من القوة ما يجعل الحاجز بين “أريد أن أُعبّر” و”استطعتُ التعبير” شبه معدوم. كل من لديه فكرةٌ وجملةٌ نصيةٌ يستطيع الآن إنتاج صورةٍ أو مقطعٍ موسيقيٍ أو مشهدٍ مصوَّرٍ بجودةٍ كانت قبل خمس سنوات حكراً على محترفين تدرّبوا لسنوات، ناهيك عن دراسة بعضهم للجامعات.

هذا ليس سيئاً بالضرورة، فقبل اختراع الكاميرا، كان الرسم وصف للواقع مهارةً نادرة احتكرها المحترفون. بعد الكاميرا، تحرّر الرسم ليكون تعبيراً خالصاً لا وصفاً، وأنتج الإمبرسيونية والتجريدية وكل ما جاء بعدهما. التقنية التي تأخذ وظيفةً من الفن كثيراً ما تُحرّره ليكتشف ما كان مستتراً خلف تلك الوظيفة.

لكن التحرير هذه المرة يطرح تساؤلاً يفتقر للسابقة: حين تنتج الآلة ما لم يكن الإنسان قادراً على تخيّله، ماذا يصبح دور الإنسان؟ ليس المهارة التقنية كما كان دائماً، فتلك انتهت. ربما يصبح الدور هو الاختيار، والتوجيه، والمعنى. من يقرر ما يستحق الوجود ولماذا؟ من يكون هناك؟ من يشهد؟

في المقالة التالية من سلسلتنا — خاتم جيجس الرقمي: الأخلاق بلا عواقب — ننتقل من سؤال من يُبدع إلى سؤالٍ أكثر إزعاجاً: من يكون الإنسان حين لا أحد يراه؟ ومنصات التواصل الاجتماعي وإخفاء الهوية ربما أنتجت أقوى خاتم جيجس عرفه التاريخ.


المراجع

  1. أفلاطون. الجمهورية، الكتاب العاشر — الفن والمحاكاة. (راجع: كهف أفلاطون، قراءة متأخرة)
  2. Roose, Kevin. “An A.I.-Generated Picture Won an Art Prize. Artists Aren’t Happy.” The New York Times, September 2, 2022. nytimes.com
  3. OpenAI. Sora — Technical Report. February 2024. openai.com/sora
  4. Getty Images v. Stability AI. U.S. District Court, Delaware. Filed February 2023.
  5. Andersen v. Stability AI et al. U.S. District Court, Northern District of California. Filed January 2023.
  6. U.S. Copyright Office. Copyright and Artificial Intelligence — Part 1: Digital Replicas. July 2024.
  7. Universal Music Group, Sony Music Entertainment, Warner Music Group v. Suno Inc., Udio Inc. U.S. District Court, 2024.
  8. WALL-E. إخراج أندرو ستانتون. Pixar / Disney, 2008.
  9. من السلسلة: المُثُل أم الكود: هل العالم الرقمي أكثر واقعيةً من الواقع؟
  10. من السلسلة: جمهورية الخوارزميات: من يحكم المدينة الرقمية؟
  11. ذات صلة: مرآة إحصائية: ماذا تكشف صور الذكاء الاصطناعي عنّا؟
  12. ذات صلة: من Midjourney إلى Flux المجاني: دليل منصات توليد الصور
  13. ذات صلة: الفيديو والصوت بالذكاء الاصطناعي: Sura و Runway و Pika و ElevenLabs

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *