algorithm code flowing data network

جمهورية الخوارزميات: من يحكم المدينة الرقمية؟

| |

آمن أفلاطون بالحاكم الفيلسوف. نحن نثق بالخوارزمية. الفارق أن الخوارزمية لا تُساءل — وقد لا تعرف أنها تحكم.

في ليلةٍ عاديةٍ تماماً من عام ٢٠١٦، فتح باحثٌ في فريق سلامة المحتوى بشركة يوتيوب حساباً جديداً تماماً في موقع يوتيوب ذاته. حسابٌ جديدٌ تماماً، وهو مثل الأطفال صفحةٌ بيضاء لا كتابةٍ فيها: لا تاريخ مشاهدة، لا تفضيلات مسجّلة، لا شيء. ثم جلس يراقب ما ستختار له الخوارزمية الخاصة بشركته. في غضون أسبوعٍ واحد من المشاهدة العادية غير الانتقائية، كان حسابه المستجد هذا، يتلقى توصياتٍ بمحتوى نظريات المؤامرة والتطرف. هو لم يبحث عن شيء، لم يطلب شيئاً، لم يُبدِ اهتماماً صريحاً مطلقاً، لكن الخوارزمية قررت بمفردها أن هذا المحتوى هو الأكثر إبقاءً له أمام الشاشة، وأن الإبقاء أمام الشاشة هو معيار النجاح الوحيد لها.

جلستُ أفكر في ذلك الباحث المجهول وتجربته، وأقارنه بسلوكي المعتاد سواء في يوتيوب أو في أي برنامجٍ آخر محكومٍ بالخوارزميات. أنا أخفي ظهور المنشورات التي لا تعجبني لأجعل الخوارزمية الغبية تفهم أن مقاطع الطبخ لا تعنيني، وأن أي مقطع عنوانه شاهد قبل الحذف أحذفه تلقائياً فقط بسبب غباء تسميته، وأنني حينما غلطت مرة وبحثت عن أصواتٍ تجذب القطط داخل بحث فيسبوك فقد كان السبب هو أنني كنت أعتني بقطة جارتي لمدة أسبوع فقط، وقد أعلنت لفيسبوك أني آسف ولن أعيد البحث عن القطط، حتى عاد إلى ما كان يعرضه من قبل من منشورات أصدقائي التي تهمني فعلاً.

من اتخذ ذلك القرار لعرض محتوى إرهابي لموظف اليوتيوب الذي كان يشعر بالملل؟ عملياً، لا أحد. فبالتأكيد لم يجلس مسؤولٌ في مكتبٍ ليوتيوب ذات صباح ويقرر إرسال محتوى التطرف للحسابات الجديدة ناصعة البياض. لقد قرر النظام، قررت المعادلة، قررت دالةٌ رياضية لا تعرف معنى “التطرف” ولا تهتم بمعناه. الخوارزمية تعرف فقط أن هذا المحتوى يُطيل وقت المشاهدة، وأن إطالة وقت المشاهدة تعني مزيداً من الإعلانات، وأن مزيداً من الإعلانات يعني نجاحاً وفق المقياس الذي رسمه المهندسون. القرار هذا عبارةٌ عن عمليات حسابٍ احصائي لا أكثر.

أفلاطون كان يُعرّف هذا النوع من الحكم، وكان يُسمّيه حكم الجاهلين. في المقالة السابقة من سلسلتنا (الجسد كقيد: هل نتحرر من البيولوجيا عبر التقنية؟)، سألنا ماذا يتبقى من الإنسان إذا تجاوزنا الجسد. اليوم نسأل: من يتبقى ليحكم إذا تجاوزنا الحاكم؟

الحاكم الفيلسوف: فكرة بدت مجنونة ثم بدت ضرورة

في جمهورية أفلاطون، طرح سقراط فكرةً صادمت محاوريه: لا ينبغي أن يحكم الديمقراطيون، ولا الأثرياء، ولا العسكريون. ينبغي أن يحكم الفلاسفة، وبالتحديد أولئك الذين قضوا عقوداً يتعلمون الرياضيات والموسيقى والفلسفة وعلم الفلك، ثم نزلوا إلى كهف السياسة لا لأنهم يريدون الحكم، بل لأنهم الوحيدون الذين يعرفون ما هو الخير الحقيقي للمدينة.

الفكرة مزعجة لأسبابٍ واضحة: من يقرر من هو الفيلسوف الكافي للحكم؟ ومن يحكم الفيلسوفَ حاكمهم؟ لكن خلف الإزعاج منطقٌ صعب دحضه: الديمقراطية تمنح الصوتَ للجميع بالتساوي، بمن فيهم من لا يعرف شيئاً عن موضوع القرار. نظرية أفلاطون لم تكن استبداداً فحسب، بل كانت احتجاجاً على فكرة أن الجهل المتساوي يُنتج قراراتٍ جيدة.

لقرنَين من الزمن رفضت الليبرالية السياسية هذه الفكرة بحجة أن السلطة تُفسد، وأن الديمقراطية مع كل عيوبها أقل ضرراً من أي شكل من أشكال الحكم الصفوي. ثم جاءت المنصات الرقمية وأعادت طرح جمهورية أفلاطون بشكلٍ لم يتوقعه أحد: حكمٌ من قِبَل من يعتقدون أنهم يعرفون الأفضل، ممثَّل لا بفلاسفةٍ بل بمهندسين وخوارزميات، ومشغَّل لا على مدينة جغرافية بل على مليارات العقول في وقت واحد.

الفارق بين الحاكم الفيلسوف والخوارزمية الحاكمة هو أن الأول يعرف أنه يحكم ويتحمل مسؤولية المعرفة. الخوارزمية لا تعرف أنها تحكم، ولا أحد يُسائلها لأنه لا يوجد “أحد” لتُسأل.

كيف تحكم الخوارزمية فعلاً: شرح تقني ضروري

حين نقول “الخوارزمية تحكم”، نقصد شيئاً تقنياً محدداً يستحق الشرح. خوارزمية التوصية في المنصات الكبرى، كتيك توك ويوتيوب وإنستغرام وفيسبوك، ليست قائمة ترتيبية يرتّبها بشر. هي نظامٌ تعلم آلي يستخدم ما يُعرف بـنماذج اللغة الكبيرة ومحركات التوصية العصبية، وهي أنواعٌ من الذكاء الاصطناعي تُحاكي قدرة الدماغ البشري على التعرف على الأنماط لكن بسرعةٍ وحجمٍ لا يُقارَنان بأي عملية بشرية.

النظام يعمل على النحو التالي: يأخذ كل إشارة يتركها المستخدم في تفاعله مع المحتوى، كم مضى على الفيديو قبل التوقف، هل أعاد التشغيل، هل علّق، هل شارك، ما الوقت، ما الجهاز، أي خطوط العرض الجغرافية، وكم من اللحظات توقفت عين المستخدم فوق جزء بعينه من الشاشة. يُغذّي هذه الإشارات في نموذج رياضي ضخم يحتوي على مئات الملايين من المتغيرات (المعاملات) التي تشكّلت من مليارات ساعات المشاهدة السابقة لمئات الملايين من المستخدمين. ثم يُحسب لكل قطعة محتوى محتملة احتمالٌ مشروط: ما احتمال أن يشاهد هذا المستخدم هذه القطعة لمدة أطول من X ثانية؟ وتُعرض القطعة الأعلى احتمالاً.

ما لا يُحسَب في هذه المعادلة هو: هل هذا المحتوى صحيح؟ هل هو مفيد؟ هل يُشعل أحقاداً؟ هل يُنتج قلقاً مرضياً؟ هل يُرسّخ نظرية مؤامرة؟ هذه الأسئلة خارج الدالة الرياضية بالكامل، ليس لأن المهندسين لا يعرفونها، بل لأن قياس “الاهتمام بالدقيقة” أسهل بما لا يُقاس من قياس “الضرر بالسنة”.

ما تُحسنه خوارزمية التوصية وما لا تُحسنه
ما تُحسنه بدقة استثنائية ما هو خارج حسابها كلياً
التنبؤ بما ستشاهده بعد ثوانٍ ما إذا كان ما ستشاهده يضرك
تعظيم وقت الجلسة ما إذا كان تعظيم الوقت يُسيء لصحتك النفسية
التعرف على مشاعرك من بيانات التفاعل ما إذا كان استغلال تلك المشاعر أمرٌ أخلاقي
تكييف المحتوى لزيادة الإثارة العاطفية ما إذا كانت الإثارة تُولّد غضباً اجتماعياً
إنشاء فقاعات معلوماتية مخصصة ما تأثير تلك الفقاعات على التماسك الاجتماعي بعد عقد

الشركات تعرف هذه الحدود. وثائق داخلية مسرَّبة من فيسبوك وجوجل ويوتيوب أظهرت في مراتٍ عديدة أن المهندسين والباحثين داخل هذه الشركات يعرفون جيداً أن خوارزمياتهم تُغذّي الانقسام والغضب والقلق. المشكلة ليست الجهل، بل هيكل الحوافز: الخوارزمية التي تُعظّم الإثارة تُعظّم الأرباح، وإصلاح الخوارزمية غالباً يعني خفض الإيرادات في الأمد القصير، وهو ما تُقاومه الشركات المدرجة في البورصة بطبيعتها.

Server room
Server room

ذا سوشيال ديليما: حين يحكم الصانع على صنيعه

في عام ٢٠٢٠، أنتج نيتفليكس وثائقياً بعنوان ذا سوشيال ديليما (The Social Dilemma)، جمع فيه عشراتٍ من مطوّري منصات التواصل الاجتماعي ومديريها السابقين وهم يتحدثون بصراحةٍ نادرة عن ما بنوه. ما أجمع عليه هؤلاء كان صادماً ليس لأنه كان سراً، بل لأنه جاء من داخل المنظومة نفسها: هم يعرفون أن ما بنوه يُسبّب الإدمان، يُضرّ بصحة المراهقين النفسية، يُغذّي نظريات المؤامرة، ويُفكّك الحوار المدني. وهم مع ذلك استمروا في بنائه، لأن كل منهم كان يعمل في قطاعٍ صغير لا يرى الصورة الكاملة، ولأن الحوافز الاقتصادية كانت تسير في اتجاهٍ واحد.

تريستان هاريس، المصمم السابق في غوغل ومؤسس مركز التقنية الإنسانية، وصف ما يحدث بعبارةٍ دقيقة: “لم نبنِ منصات. بنينا آلة إقناع تعمل على مليارات الأشخاص في وقت واحد، وتتعلم كيف تقنع كل واحدٍ منهم بطريقة مختلفة مصمَّمة خصيصاً له، دون أن يعلم أحدٌ من الآخر.”

آلة الإقناع هذه هي ما يستحق اسم الحاكم في عصرنا. لا تُصدر قوانين مكتوبة. لا تُعلن عن مراسيم. تعمل بطريقةٍ أكثر دقةً وأكثر فاعلية: تُحدّد ما تراه، فتُحدّد بذلك ما تُفكّر فيه، فتُحدّد كيف تُصوّت وماذا تشتري ومن تكره ومن تثق به. الحاكم الفيلسوف الأفلاطوني كان يُخطط للمدينة من أعلى. الخوارزمية تُعيد تشكيل مواطنيها من الداخل.

تعديل المحتوى: السلطة القضائية المجهولة

إلى جانب خوارزمية التوصية، ثمة سلطةٌ أقل وضوحاً لكنها لا تقل أهمية: سلطة تعديل المحتوى وحذفه. كل منصة رقمية كبرى تمتلك منظومةً من القواعد والأنظمة التي تُحدد ما يُسمح له بالظهور وما يُحذف، ومنظومةً من الموظفين والخوارزميات تُطبّق هذه القواعد على مليارات المنشورات يومياً.

الأرقام تُنبّه لحجم هذه السلطة: يرفع مستخدمو يوتيوب نحو ٥٠٠ ساعة من الفيديو كل دقيقة. يُنشر على فيسبوك وإنستغرام ما يزيد على ١٠٠ مليون قطعة محتوى يومياً. لا يستطيع أي جيش من البشر مراجعة هذا الكم. لذلك تمتلك الشركات نماذج ذكاء اصطناعي تقوم بالمراجعة الأولية تلقائياً، وفريقٌ بشري يُراجع الحالات الحدّية والاستئنافات.

هذه المنظومة تُنتج قراراتٍ تُشبه القرارات القضائية في آثارها: حذف حساب شخص يعني قطعه عن شبكة علاقاته ومتابعيه وأرشيفه الرقمي. حذف مقطع فيديو يعني طمس رسالة قد تكون الوحيدة التي وثّقت حدثاً بعينه. وضع علامة تحذيرية على منشور يُقلّص انتشاره بنسبٍ كبيرة دون أن يعرف صاحبه. كل هذه القرارات تجري كل يومٍ بالملايين، وفق معايير تضعها شركاتٌ خاصة، وتُطبّقها خوارزمياتٌ لا يمكن الطعن بها أمام أي سلطةٍ مستقلة.

في الدولة القانونية، لديك الحق في محاكمةٍ عادلة وحضور المحاكم والاستئناف أمام قضاةٍ مستقلين. في المدينة الرقمية، لديك نموذج شكوى إلكتروني يرد عليك نظامٌ آلي خلال أسابيع.

تيك توك وفرادة الخوارزمية الصينية

الحديث عن خوارزميات الحوكمة لا يكتمل دون التوقف عند تيك توك ونموذجه الذي يختلف اختلافاً نوعياً عن نظرائه الغربيين. خوارزمية تيك توك تُعدّ الأكثر تطوراً وفعالية في الاستحواذ على الانتباه بين منصات التواصل الحالية، وقد وصفها عددٌ من الباحثين بأنها تُشبه “مسرّعة جسيمات للمحتوى”: تختبر آلاف المتغيرات لكل مستخدم بشكلٍ متوازٍ وتتعلم بسرعةٍ مذهلة ما يُبقيه أطول أمام الشاشة.

لكن ما يميّز تيك توك هو شيءٌ آخر يتجاوز الكفاءة التقنية: ملكيته. الشركة الأم هي ByteDance الصينية، وهي بموجب قوانين الأمن القومي الصينية ملزمةٌ قانونياً بتسليم البيانات للحكومة الصينية عند الطلب، وبإمكانية التدخل في خوارزمياتها عند الضرورة. هذا لا يعني أن الحكومة الصينية تُحرّك تيك توك كل يوم، لكنه يعني أن الأداة الأكثر نفوذاً لتشكيل اهتمامات شباب العالم تحت سن الثلاثين مصمّمةٌ بطريقةٍ تجعل تدخّلاً محتملاً في أي وقت ممكناً تقنياً وقانونياً.

الولايات المتحدة أدركت هذا الأمر وحاولت تمرير قانون لإجبار ByteDance على بيع تيك توك بحلول يناير ٢٠٢٥، وما أعقب ذلك من جدل قانوني وسياسي ومحاولات الحظر والتجميد هو في جوهره صراعٌ على سؤال واحد: من يحق له حكم المدينة الرقمية؟ أي حكومةٍ قومية؟ أي شركةٍ خاصة؟ وبأي قانون؟

social media phone scroll addiction night

أزمة المساءلة: حين لا أحد مسؤول

في عام ٢٠١٨، استُدعي مارك زوكربيرغ للشهادة أمام الكونغرس الأمريكي إثر فضيحة كامبريدج أناليتيكا. الجلسة كانت كاشفة، لكن ليس بالطريقة المقصودة: معظم السيناتورات لم يفهموا تقنياً كيف يعمل فيسبوك. أحدهم سأل عن السبب الذي يجعل فيسبوك مجانياً، فأجاب زوكربيرغ بهدوء: “نحن ندير إعلانات يا سناتور.” سؤالٌ لا يُفترض طرحه على رئيس شركةٍ تبلغ قيمتها مئات المليارات.

المشهد كشف فجوةً حقيقية في منظومة المساءلة الديمقراطية: الهيئات التشريعية تتحرك ببطء تفرضه الدورة الانتخابية والإجراءات البيروقراطية، بينما التقنية تتطور بسرعةٍ تجعل أي قانونٍ يُصاغ اليوم متأخراً عن الواقع غداً. وحتى حين يفهم المشرّعون التقنية، يواجهون مشكلةً بنيوية: المنصات عابرةٌ للحدود الجغرافية لكن القانون لا يزال محلياً في جوهره. ما يُحذف في ألمانيا يبقى مرئياً في الهند. ما يُقيَّد في الاتحاد الأوروبي يسير بحرية في الفضاء الأمريكي.

وفي غياب المساءلة الحقيقية، تملأ الشركات الفراغ بما يُسمّى “حوكمة المحتوى الذاتية”: تضع معايير التعبير المسموح به عبر منصاتها، وتُنشئ مجالس استشارية لمراجعة القرارات المتنازع عليها، وتُصدر تقارير شفافية دورية. كل هذه الآليات جيدةٌ في حدودها، لكنها تبقى في نهاية المطاف حكمَ الشركة على نفسها، وهو ما لا يُقبل في أي منظومةٍ قانونية سليمة.

الديمقراطية في مواجهة الخوارزمية: أيهما أعدل؟

هنا ينبغي أن نكون أمناء مع سؤال أفلاطون الأصيل، لأنه لم يكن خاطئاً بالكامل. هل الديمقراطية الرقمية، أي إتاحة كل الأصوات بالتساوي على المنصات، تُنتج فضاءً أكثر عدلاً وأكثر حقيقةً من الخوارزمية؟

ليس بالضرورة. الديمقراطية الرقمية غير المُدارة أنتجت فضاءاتٍ يسود فيها الأعلى صوتاً لا الأكثر حقيقة، والأكثر إثارةً لا الأكثر دقة، والأسرع غضباً لا الأكثر حكمة. الجمهور في الساحة الرقمية المفتوحة لا يُصوّت على الحقيقة، بل يُصوّت على ما يتوافق مع ما يريد الصدق به مسبقاً. وهذا بالضبط ما حذّر منه أفلاطون حين رأى في الديمقراطية الأثينية أداةً لتعزيز الوهم الجماعي لا كشفه.

المشكلة ليست إذن في الاختيار بين الديمقراطية الفوضوية والخوارزمية الحاكمة. المشكلة أن كلتيهما في صيغتهما الحالية تفتقران إلى ما سماه أفلاطون التربية الفلسفية: القدرة على تمييز الحق من الباطل، والمصلحة العامة من المصلحة الخاصة، والمعلومة من الضجيج.

الفرق الوحيد بين إشكالية أفلاطون وإشكاليتنا هو النطاق. في أثينا كانت المدينة تضم بضعة آلاف من المواطنين. في المدينة الرقمية نتحدث عن مليارات الأفراد، تتلقى معلوماتها وتُشكّل آراءها وتبني هوياتها السياسية في فضاءٍ تُديره شركاتٌ لا تتجاوز مجالسها التنفيذية بضع عشرات من الأشخاص.

مبادرات الحوكمة الرقمية: ماذا يُجرَّب الآن؟

ليس المشهد قاتماً بالكامل. ثمة محاولاتٌ جادة لبناء منظومات حوكمة رقمية أكثر مساءلة، وإن كانت لا تزال في طورها الأول:

  • قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA): دخل حيّز التنفيذ الكامل عام ٢٠٢٤، ويُلزم المنصات الكبرى بالشفافية في خوارزميات التوصية ويُتيح للمستخدمين رفض التوصيات الشخصية واختيار ترتيبٍ زمني بدلاً منها. يُلزم أيضاً بإجراء تقييماتٍ مستقلة للمخاطر الاجتماعية لخوارزمياتها.
  • مجلس الرقابة على المحتوى (Oversight Board) لميتا: هيئةٌ شبه مستقلة تملك صلاحية مراجعة قرارات حذف المحتوى والبت فيها بطريقةٍ ملزمة لميتا في قضايا بعينها. نجاحها محدود، لكن وجودها يُمثّل سابقة في مساءلة المنصات.
  • نماذج الذكاء الاصطناعي المفسَّر (Explainable AI): حقلٌ بحثي يسعى لجعل قرارات الخوارزمية قابلةً للشرح بلغةٍ يفهمها البشر، بدلاً من “الصندوق الأسود” الحالي. لا يزال في طور البحث، لكنه ضروري لأي مساءلة حقيقية.
  • حركة التكنولوجيا الإنسانية: التي يقودها تريستان هاريس وآخرون، وتضغط على الشركات والحكومات لإعادة تصميم المنصات حول قياساتٍ للرفاه الإنساني لا قياسات الانخراط وحدها.

هذه المبادرات كلها تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تُعالج بعد السؤال الجذري: بأي حق تملك شركةٌ خاصة تُدار من مقرها في كاليفورنيا صلاحية تحديد ما يُقال وما يُسمع في المدينة الرقمية العالمية؟

algorithm code flowing data network

كهف أفلاطون ومشكلة السلطة: قراءة رابعة

في قراءتنا الأولى لكهف أفلاطون، رأينا أن المشكلة بنيوية اجتماعية. وفي مقالتنا الأولى من هذه السلسلة رأينا أن المشكلة اختيارٌ مُكلف. وفي مقالة الجسد رأينا أن القيد أصبح اختيارياً. الآن، من زاوية السلطة، تتضح صورة الكهف بشكلٍ مختلفٍ للمرة الرابعة.

في الكهف الأصلي، يقف أشخاصٌ خلف المقيّدين يحملون أشياء أمام النار لتُلقي ظلالها. أفلاطون لم يُعرّفهم أو يشرح دوافعهم، تركهم غامضين. في كهفنا الرقمي، نعرف من يقف خلف النار: فريقٌ هندسي في شركة خاصة، يتلقى حوافزه من مجلس إدارة، الذي يتلقى ضغوطه من مساهمين، الذين يريدون عائداً على استثمارهم. سلسلةٌ من المصالح الاقتصادية، كل حلقةٍ فيها تفعل ما يبدو منطقياً ضمن حوافزها المباشرة، والنتيجة الإجمالية لا يُريدها أحدٌ بالضبط لكن لا أحد يستطيع إيقافها.

الحاكم الفيلسوف الأفلاطوني كان مسؤولاً عن المدينة كلها وعن مستقبلها بعيد المدى. الخوارزمية الحاكمة مسؤولةٌ عن الربع المالي القادم. هذه المسافة في أفق المسؤولية هي ربما أكثر ما يُقلق في المدينة الرقمية التي بدأنا نسكنها.

خلاصة: من يحكم من لا يرى أنه يُحكَم؟

أفلاطون لم يطرح مشروع الحاكم الفيلسوف لأنه كان يحب الاستبداد. طرحه لأنه رأى أن الحكمَ من دون معرفةٍ حقيقية بالخير العام يُنتج ظلماً مهما كانت نوايا الحاكم. مشكلته مع الديمقراطية الأثينية لم تكن أنها كانت حكماً للناس، بل أنها كانت حكماً للأهواء عبر الناس.

نحن اليوم نسكن مدينةً يحكمها نظامٌ لا يعرف أنه يحكم، ويُدار من قِبَل أشخاصٍ لا يرون الأثر الكامل لما بنوه، ويخضع لمساءلةٍ رمزية لا ترقى إلى حجم السلطة الفعلية. هذا ليس مؤامرة، بل هو شيءٌ أكثر إزعاجاً: نتيجةٌ طبيعية لبناء أنظمةٍ بالغة التعقيد انطلاقاً من حوافز اقتصادية ضيقة الأفق دون وضع أطر حوكمة مناسبة لها.

السؤال الذي لم يُجب عنه أفلاطون، والذي لا نزال نفتقر إلى إجابته، هو: كيف تُحكم مدينةٌ يعيش فيها مليارات الناس في فضاءٍ لا حدود جغرافية له ولا سيادة وطنية واضحة ولا عقد اجتماعي مكتوب؟ التجربة الأوروبية في التنظيم، ومبادرات الحوكمة الذاتية، ومحاولات نقل السلطة للمستخدمين كلها بداياتٌ لكنها ليست إجابة.

في المقالة التالية من سلسلتنا — المحاكاة الثالثة: الفن في عصر الذكاء الاصطناعي — ننتقل من السلطة السياسية إلى سلطةٍ من نوعٍ آخر: سلطة من يُحدد ما هو جميل وما هو إبداعي، حين تصبح الخوارزمية فناناً.


المراجع

  1. أفلاطون. الجمهورية، الكتاب الخامس إلى السابع — الحاكم الفيلسوف. (راجع مقالتنا: كهف أفلاطون، قراءة متأخرة)
  2. Chaslot, Guillaume. “How YouTube’s Algorithm Distorts Reality.” The Guardian, 2019. theguardian.com
  3. The Social Dilemma. إخراج جيف أورلوفسكي. Netflix, 2020.
  4. Meta Oversight Board. Annual Report 2023. oversightboard.com
  5. European Commission. Digital Services Act — Overview. digital-strategy.ec.europa.eu
  6. Harris, Tristan. Testimony to the U.S. Senate Commerce Committee. June 2019.
  7. Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism. PublicAffairs, 2019.
  8. من السلسلة: الجسد كقيد: هل نتحرر من البيولوجيا عبر التقنية؟
  9. من السلسلة: الكهف الرقمي: لماذا نختار الظلال من جديد؟
  10. ذات صلة: المدن الذكية: هل الإنسان مستعد للعيش في المستقبل؟
  11. ذات صلة: الذكاء الاصطناعي بين الحقيقة والخرافة

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *