مئة عام على ميشيما | لماذا يقرأه العالم اليوم أكثر مما قرأه في حياته؟
مئة وأربعة عشر عملاً في ستة وعشرين عاماً — روايات ومسرحيات وشعر ونقد.
ثم في اليوم ذاته الذي سلّم فيه آخر صفحة من رباعيته، أنهى حياته.
يوكيو ميشيما لم يكتب عن الفناء فحسب — جعل حياته نصه الأخير.
في عام مئويته، يبدو العالم أكثر استعداداً من أي وقت مضى لفهم الأسئلة التي طرحها.
في عام مئويته، يعود يوكيو ميشيما إلى الواجهة بشكل لم يعرفه في حياته. ليس لأن العالم تغيّر — بل لأنه أصبح أخيراً يفهم الأسئلة التي طرحها.
كاتب واحد، مئة عمل، وصوت لا يشبه أحداً
أبدأ بسؤال بسيط: كم كاتباً تعرف أنجز في ستة وعشرين عاماً من الكتابة الفعلية — بين الثامنة عشرة ومنتصف الأربعينيات — أكثر من مئة عمل بين رواية ومسرحية وشعر وقصة قصيرة ومقال نقدي؟
العدد وحده يصعب استيعابه. لكن الأصعب منه أن هذه الأعمال المئة لا تبدو من كاتب واحد. من يقرأ “اعترافات قناع” ثم يقرأ “المعبد الذهبي” ثم يفتح الجزء الأول من “رباعية بحر الخصب” يجد نفسه أمام ثلاثة أصوات مختلفة جذرياً في الأسلوب والضمير والبنية — مع شيء واحد يجمعها لا يستطيع تسميته بسهولة.
هذا الشيء الواحد هو ميشيما.
يوكيو ميشيما وُلد عام 1925 في طوكيو باسم كيميتاكي هيراوكا. النضج الأدبي المبكر جعل أستاذه يحمل أوراقه الأولى سراً إلى مجلة أدبية حين كان في السادسة عشرة، خشية أن يعرف والده المحافظ. كاواباتا ياسوناري — الكاتب الياباني الأول الحائز على جائزة نوبل — هو من فتح له باب النشر الحقيقي، وقال عنه لاحقاً ما لم يقله عن أحد:
“لا يظهر كاتب بهذا الوزن إلا مرة كل قرنين أو ثلاثة.”
ثلاثة أساليب لروح واحدة
حين أعود إلى قراءة “اعترافات قناع” الصادرة عام 1949، أجد نفسي أمام نص يشبه اعترافاً حقيقياً أكثر مما يشبه رواية. الراوي يتكلم بضمير المتكلم المباشر عن شاب يكتشف ميوله في مجتمع لا يُتيح له ذلك. لكن ما يجعل هذا النص أدباً وليس مجرد سيرة هو سؤاله المركزي الذي يُزعزع الأرض تحت القارئ: هل ما أشعر به هو ما أشعر به فعلاً، أم هو ما تعلّمت أن أشعر به؟ الحد بين القناع والوجه عند ميشيما لم يكن يوماً واضحاً — وهو لم يُرِده واضحاً.
ثم تأتي “المعبد الذهبي” عام 1956 وكأنه كاتب آخر. الرواية مبنية على حادثة حقيقية — راهب بوذي أحرق معبد كينكاكو-جي الذهبي عام 1950، أجمل معبد في اليابان. ميشيما لا يسأل: لماذا فعل؟ يسأل سؤالاً أعمق وأقسى: ماذا يفعل بك الجمال المطلق؟ هل يُحرّرك أم يُشلّك؟ يكتب على لسان راويه:
“كلما أطلت النظر في الجمال، كلما شعرت أنه يسجنني. كأن الجميل يقول لك: لن تستطيع أن تعيش بجانبي، ولن تستطيع أن تبتعد عني.”
الحرق في النهاية ليس جريمة — هو تحرر.
ثم تجيء “رباعية بحر الخصب” لتجمع كل شيء وتتجاوزه. أربع روايات كتبها بين 1965 و1970 برواةٍ مختلفين وأصوات متعددة وحقب زمنية متباعدة، لكنها تدور جميعها حول سؤال واحد عن التكرار والمعنى والفناء. وكأن المئة عمل السابقة كانت تدريباً لهذا.
الكاتب الذي كتب بكل ضمائر اللغة
ما يلفت أي قارئ متأمل في أعمال ميشيما هو قدرته الاستثنائية على تغيير الضمير السردي دون أن يفقد صوته. في عمل واحد أحياناً تجد ضمير المتكلم يتحول إلى الغائب ثم إلى جمع المتكلم — لا كخطأ أسلوبي بل كتقنية واعية.
في “اعترافات قناع” يقول:
“كنت أتساءل إن كانت مشاعري حقيقية أم أنني أمثّل دوراً في مسرحية لم أختر أن أكون فيها، لكنني لم أستطع مغادرتها.”
وفي “المعبد الذهبي” يكتب بضمير الغائب عن بطله:
“لم يكن يكره الجمال. كان يكره أن الجمال موجود وهو لا يستطيع أن يكونه.”
وفي “رباعية بحر الخصب” يكتب في بعض فقراته بـ”نحن” — ضمير الجماعة الذي يشمل القارئ ولا يسأله الإذن. هذا التنقل بين الضمائر ليس تجريباً فنياً للتجريب — هو موقف فلسفي: الأنا ليست ثابتة، والراوي ليس موثوقاً، والحقيقة دائماً في مكان ما بين ما يقوله النص وما يُضمره.
مئة عمل: أرقام لا تُصدَّق
أكتب هذه الفقرة وأنا أحاول أن أستوعب رقماً واحداً: مئة وأربعة عشر عملاً منشوراً. روايات طويلة وقصص قصيرة ومسرحيات وقصائد وأعمال نقدية وسيناريوهات ومقالات — كل هذا في ستة وعشرين عاماً. أي أنه أنتج في المتوسط أربعة أعمال وأكثر كل عام، دون توقف واحد.
لكن الرقم الأكثر إثارة للتأمل هو هذا: معظم الكتّاب العظام يُتقنون صنفاً واحداً. دوستويفسكي كتب الرواية. تشيخوف كتب القصة القصيرة والمسرح. ميشيما برع في كل شيء — وتركت مسرحياته المبنية على أسلوب مسرح “النو” الياباني الكلاسيكي أثراً في المسرح العالمي لا يقل عن أثر رواياته. وكان في الوقت ذاته يُدير فرقته شبه العسكرية، ويبني جسده كمشروع موازٍ لكتابته، ويمثّل في أفلام، ويُدير حياة اجتماعية علنية في طوكيو.
من كان يكتب؟
اليابان التي أنتجته: الهزيمة كمصدر إلهام
لا يمكن فهم ميشيما بمعزل عن لحظة واحدة: الثاني من سبتمبر 1945، حين وقّع الإمبراطور هيروهيتو على وثيقة الاستسلام الرسمية. لأول مرة في تاريخها، انهزمت اليابان. وليس انهزاماً عسكرياً فقط — بل انهياراً لفكرة كاملة عن الذات. الإمبراطور الإله أصبح بشراً بجرّة قلم. الساموراي الذين ماتوا من أجل الشرف أصبحوا مجرد ضحايا حرب خاسرة. التفوق الحضاري الذي آمنت به اليابان تحوّل إلى رماد فوق هيروشيما وناغازاكي.
من هذا الرماد خرج ثلاثة كتّاب يمثّلون ثلاثة مواقف مختلفة من السقوط:
دازاي أوسامو اختار قبول الانهيار — كتب عن الانحلال والخسارة والخزي كاستجابة صادقة لهزيمة لا جدال فيها، وانتحر عام 1948.
كاواباتا ياسوناري اختار الحنين — كتب عن جمال اليابان القديمة الذي يتلاشى كالثلج، وحصل على نوبل عام 1968، وانتحر عام 1972 بعد موت ميشيما بسنتين دون أن يترك تفسيراً.
ميشيما اختار الرفض — رفض الهزيمة، رفض الاحتلال الأمريكي الناعم، رفض يابان ما بعد الحرب التي تنكّرت لروحها من أجل الازدهار الاقتصادي.
الثلاثة انتحروا. هذا وحده يقول شيئاً عن حدة الأسئلة التي طرحتها تلك الحقبة على من عاشوها بوعي كامل.
من طوكيو إلى سيول: الإرث الخفي
حين أشاهد مسلسلاً كورياً اليوم — وكوريا الجنوبية تتصدر المشهد الفني العالمي بشكل لم يتوقعه أحد — أتساءل كم من المشاهدين يعرفون أنهم يستهلكون، في جزء منه، إرثاً يابانياً معاداً صياغته.
الصورة كاملة تبدأ من الصين التي أعطت اليابان نظام الكتابة في القرن الخامس الميلادي عبر المهاجرين الكوريين. ثم طوّرت اليابان حروفها الخاصة وكتبت أول رواية في تاريخ البشرية — “حكاية غينجي” عام 1008 — وكتبتها امرأة. ثم جاء القرن العشرون بهزيمته وكتّابه ودازاي وكاواباتا وميشيما وكل ما أنتجوه.
ثم جاءت المانغا اليابانية لتحمل هذه القيم إلى شرق آسيا كله — الأسرة والولاء والخسارة والشرف والعلاقات بين الأجيال. وليست هذه قيماً يابانية خالصة بل شرقية مشتركة وجدت في المانغا قالباً قابلاً للتصدير.
كوريا اليوم تُصدّر للعالم، لكنها تبني على هذا الأساس. فيلم “الولد الكبير” للمخرج الكوري بارك تشان-ووك — الحائز على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كان عام 2004 — هو في الأصل اقتباس من مانغا يابانية بالاسم ذاته، صدرت بين عامَي 1996 و1998. الفيلم الكوري تجاوز مصدره وأصبح من أعظم أفلام التاريخ السينمائي. أما النسخة الأمريكية التي أنتجها المخرج سبايك لي عام 2013 بالاسم نفسه، فلم تُحقق عُشر الصدى الذي حققه الأصل الكوري — دليل آخر على أن الأعمال الكبيرة لها وطن لا يمكن ترحيله.
وما “لعبة الحبار” إلا مثال آخر — مسلسل عالمي الصدى تقوم بنيته على مفاهيم تعود في جذورها إلى أدب البقاء والصراع الاجتماعي الذي أرسى قواعده الأدب الياباني ما بعد الحرب.
لكن إذا أردت الأصل — الأب الذي لا يُذكر اسمه — فاليابان ما بعد الحرب هي المكان. وميشيما هو من أعطى تلك المرحلة صوتها الأعلى والأطول.
لماذا تجاهله الغرب وهو يقرأه اليوم
الجواب على سؤال العنوان ليس معقداً: الغرب أهمل ميشيما لأنه لم يستطع وضعه في خانة. لم يكن روائياً فقط. لم يكن مفكراً سياسياً فقط. لم يكن أدبه ترفيهاً ولا احتجاجاً ولا سيرة ذاتية نظيفة. كتب عن الجمال والموت والشرف والجسد بطريقة تتطلب من قارئها أن يتخلى عن يقينياته — وهذا ما لا يفعله القارئ الغربي العادي باريحية.
أما اليوم — في عام مئويته — فالعالم يقرأه لأن الأسئلة التي طرحها أصبحت أسئلة الجميع. ما معنى الجسد؟ هل الهوية قناع أم وجه؟ ماذا يفعل الجمال بمن يراه؟ كيف تستمر في بناء معنى وسط عالم يُعلن عدميته؟ هذه أسئلة عام 2025 بقدر ما كانت أسئلة 1950. وميشيما — الذي أجاب عنها بمئة وأربعة عشر عملاً قبل أن يُجيب عنها بحياته — يبدو اليوم أكثر حداثة مما كان في زمنه.
خاتمة: صباح الخامس والعشرين من نوفمبر
في صباح ذلك اليوم من عام 1970، سلّم ميشيما مخطوطة الجزء الرابع والأخير من “رباعية بحر الخصب” لناشره — الجزء الأخير من عمل بدأه عام 1965، خمس سنوات من الكتابة الحاملة لكل ما عاشه وفكّر فيه.
ثم غادر منزله مع أربعة من رفاقه في فرقته الخاصة — درع المجتمع — متوجهاً إلى مقر قيادة قوات الدفاع الذاتي الياباني في حي إيتشيغايا بطوكيو. اقتحم مكتب القائد وأخذه رهينةً، ثم خرج إلى الشرفة ليخطب في نحو ألف جندي مصطفّين أسفله، داعياً إياهم للانتفاضة واستعادة روح اليابان الحقيقية. أجابته أصوات مقاطِعة وهسهسة استهزاء. أنهى خطابه في سبع دقائق بعد أن كان يعتزم الثلاثين. عاد إلى الداخل، اعتذر من القائد المحتجز، ثم أنهى حياته بطريقة السيبوكو — طقس الساموراي في الموت الشريف — وهو في الخامسة والأربعين من عمره، في ذروته الإبداعية والجسدية معاً.
في الليلة ذاتها، حين داهمت الشرطة منزله، وجدوا على مكتبه ورقة بخط يده، كتب فيها:
“حياة البشر محدودة، لكني أودّ أن أحيا إلى الأبد.”
الرجل الذي كتب مئة عمل عن الفناء والتكرار والجمال والموت — أنهى نصه بنفسه. وترك الورقة.
مئة عام بعد ميلاده، ما تزال أعماله تُقرأ بمتعة ودهشة — وكأنها كُتبت اليوم.
مرجع الأعلام والمصطلحات
يوكيو ميشيما — اسم أدبي، اسمه الحقيقي كيميتاكي هيراوكا، روائي ياباني وُلد عام 1925 وتوفي عام 1970. رُشّح لجائزة نوبل خمس مرات في الستينيات.
(Yukio Mishima — 三島由紀夫)
كاواباتا ياسوناري — روائي ياباني، أول كاتب ياباني يحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1968، انتحر عام 1972.
(Kawabata Yasunari — 川端康成)
دازاي أوسامو — روائي ياباني من أبرز كتّاب مرحلة ما بعد الحرب، توفي عام 1948.
(Dazai Osamu — 太宰治)
السيبوكو — طقس ياباني تاريخي للموت الشريف بالسيف، اعتمده الساموراي قديماً واستُخدم آخر مرة رسمياً بعد الحرب العالمية الثانية عام 1970 على يد ميشيما نفسه.
(Seppuku — 切腹)
بحر الخصب — منطقة على سطح القمر لا تحتوي ماءً ولا حياة، اختارها ميشيما عنواناً لرباعيته الأخيرة.
(Mare Foecunditatis)
مسرح النو — أحد أقدم أشكال المسرح الياباني الكلاسيكي، يعتمد الأقنعة والحركة البطيئة والشعر.
(Noh Theatre — 能楽)
بارك تشان-ووك — مخرج سينمائي كوري جنوبي، حائز على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كان عام 2004 عن فيلم “الولد الكبير”.
(Park Chan-wook — 박찬욱)
الولد الكبير — فيلم كوري 2003 إخراج بارك تشان-ووك، مقتبس من مانغا يابانية بالاسم ذاته صدرت بين 1996 و1998. تُعد النسخة الكورية من أعظم أفلام التاريخ. النسخة الأمريكية إخراج سبايك لي عام 2013 لم تحقق الصدى ذاته.
(Oldboy — 올드보이)
