صورة تجمع رمزاً للملكية مع رمز جمهوري — تاج وورقة اقتراع، أو عرش وميكروفون -->

حين تُعيد الجمهوريات اختراع الملوك

|

اليوم انتقلت قيادة الجمهورية الإسلامية من أبٍ إلى ابنه. والغريب أن هذه الجمهورية قامت أصلاً على رفض التوريث. لكن الأغرب أن الرجل الذي يرفض هذا التوريث بأعلى صوت هو ابن الملك الذي أسقطته تلك الثورة. نحن لسنا هنا أمام أزمة إيرانية، بل أمام سؤال في طبيعة البشر.

اليوم، الاثنين التاسع من مارس 2026، أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية، خلفاً لوالده علي خامنئي الذي اغتيل في الثامن والعشرين من فبراير الماضي في سلسلة ضربات جوية استهدفت طهران.1

لم يمرّ على اغتيال الأب سوى عشرة أيام حتى جلس الابن في المنصب ذاته. وكان الحرس الثوري قد مارس ضغوطاً متواصلة على أعضاء مجلس الخبراء للتصويت لصالح مجتبى، فيما أعلن ثمانية أعضاء مقاطعة الجلسة احتجاجاً على ما وصفوه بـ”الضغوط الثقيلة”.2

وعلى الفور، تدافعت ردود الفعل الدولية لتكشف عن شيء أعمق من مجرد تعليق على حدث سياسي: كلٌّ يريد أن يُعيّن المرشد بنفسه.

ترامب قال إن اختيار مجتبى “غير مقبول”، وأنه كان يفكر في مرشّحين آخرين — “لكن معظمهم ماتوا” في الضربات.3 وأضاف في مناسبة أخرى أن أي مرشد بلا موافقة واشنطن “لن يدوم طويلاً”؛ ترامب نفسه كان يتكلم عن تغيير النظام الإيراني بشكل كامل، يبدو أن هذه كانت مبالغةً منه غير ممكنة حالياً. وزير الدفاع الإسرائيلي أعلن صراحةً أن إسرائيل ستعتبر أي خليفة، كائناً من كان، هدفاً مشروعاً للاغتيال.4 الاتحاد الأوروبي تحدّث عن “طريق مفتوح نحو إيران مختلفة”.5 والشارع الإيراني نفسه انقسم: ففي أصفهان وشيراز وكرمانشاه خرج قلةٌ هنا أو هناك احتفالاً، وخرج بقية الشعب حزناً.6

المشهد برمّته ينطوي على مفارقة لافتة: الجمهورية الإسلامية، التي قامت عام 1979 على رفض الملكية الوراثية وإسقاط الشاه الأب، تُسلّم السلطة اليوم من الأب إلى الابن. وعلي خامنئي نفسه كان معروفاً بمعارضته تعيين ابنه خلفاً له، خشيةً أن يُعيد ذلك لإيران شكل الملكية التي أطاحت بها ثورته.7

لكن الطريف أن الرجل الذي يُعلن رفض هذا التوريث الأعلى صوتاً هو رضا بهلوي — ابن الشاه الأخير الذي أُسقط بتلك الثورة ذاتها.8

ثانياً: المفارقة التي تقول كل شيء

رضا بهلوي يقيم في الولايات المتحدة منذ خمسة وأربعين عاماً. وقف أمام الكاميرات في باريس ثم على شاشة فوكس نيوز ليعلن أن الجمهورية الإسلامية “تتهاوى”، وأن الإيرانيين “يستعيدون بلدهم”، وأن أي خليفة يختاره النظام الحالي “سيفتقر إلى الشرعية”.9 ثم يُضيف بثقة أنه هو “الشخص الأنسب” لقيادة المرحلة الانتقالية.10

لنقف لحظة أمام هذه الصورة بكل وضوح: ابن ملك يرفض توريث ابن مرشد. كلاهما يستمد حضوره السياسي من نسبٍ لا من انتخاب، ومن اسم عائلته لا من مشروع سياسي تحقّق على أرض. بهلوي يرفض التوريث الديني ويُقدّم نفسه بديلاً — بالوراثة.

ثمة مفارقة عميقة في أن يتصدّر المشهدَ الإيراني رجلان يقفان في مواجهة بعضهما: أحدهما يرث سلطة دينية، والآخر يرث ادّعاءً ملكياً. كلاهما يمثّل التوريث، وكلاهما يرفض أن يُسمّيه بهذا الاسم.

وحين يُسأل بهلوي إن كان يريد أن يكون ملكاً، يُجيب بلغة مُحكمة: “لستُ أترشّح لمنصب، أنا جسرٌ للمرحلة الانتقالية”. لكن الجسر، بتعريفه، ليس أكثر من طريق بين ضفّتين. والسؤال هو من بنى الجسر، ولماذا يُطلب منّا العبور عليه.

ثالثاً: هل التوريث استثناء أصلاً؟

قبل أن نُصدر أي حكم، علينا أن نسأل سؤالاً أكثر أمانة: هل التوريث السياسي ظاهرة شاذة في التاريخ الحديث، أم أننا نكتشف أنه الأصل الذي لا يغادرنا؟ لنستعرض ثلاثة أنماط مختلفة لهذه الظاهرة:

النمط الأول: توريث الابن اسمَ الأب

في الولايات المتحدة، تولّى جورج بوش الابن رئاسة أكبر ديمقراطية في العالم عام 2001، بعد ثماني سنوات فحسب من رئاسة والده جورج بوش الأب.11 لم يكن هذا مصادفة انتخابية، بل كان استثماراً واعياً لاسم العائلة وشبكة علاقاتها ومواردها. وفي كوريا الشمالية، دولة تُسمّي نفسها “الجمهورية الديمقراطية الشعبية”، انتقلت السلطة من كيم إيل سونغ إلى ابنه كيم جونغ إيل ثم إلى حفيده كيم جونغ أون — ثلاثة أجيال متعاقبة في حكم “الجمهورية”.12 وفي الفلبين، فاز فرديناند ماركوس الابن بالرئاسة عام 2022، بعد أن أمضى أبوه الديكتاتور عقوداً من الفساد الموثّق.13 وفي سوريا، انتقلت السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار — ليس في مملكة، بل في جمهورية تحمل دستوراً.

النمط الثاني: توريث الشخص لنفسه

في روسيا، حين اقتربت ولاية بوتين الرئاسية الثانية من نهايتها عام 2008، سلّم الرئاسة رسمياً لديمتري ميدفيديف، الذي عيّنه على الفور رئيساً للحكومة. وبعد أربع سنوات عاد بوتين إلى الكرسي ذاته.14 الدستور لم يتغيّر، لكن تأويله تغيّر. وفي الصين، عدّلت السلطة دستورها عام 2018 لإلغاء القيد الذي يحصر ولايات الرئيس باثنتين، فاتحةً الباب أمام شي جين بينغ للبقاء في السلطة إلى أجلٍ غير مسمى.15

النمط الثالث: توريث المنظومة لا الاسم

هذا النمط هو الأخطر لأنه الأصعب في الرصد. في أمريكا لم تكن عائلة بوش وحدها، بل كان معها تيارٌ كامل: المحافظون الجدد والمجمّع الصناعي-العسكري والتحالفات الدولية. وحين تتداول السلطة في واشنطن، كثيراً ما تنتقل المناصب التقنية والاستشارية والصناعية بين العائلات ذاتها ومكاتب المحاماة ذاتها وشركات الضغط ذاتها — بصرف النظر عن الحزب الذي يفوز.16 هذا توريثٌ بلا أسماء، وهو لهذا السبب يتمتع بشرعية لا يتمتع بها التوريث الصريح. على كل حال فإن هنالك فقط حزبان يتداولان السلطة في البيت الأبيض بحسب قوانين الانتخابات المرعية هناك، والديمقراطية الأمريكية هي مجرد انتقال السلطة بين هذين الحزبين “الجمهوري أو الديمقراطي” فقط.

رابعاً: لماذا يعود التوريث دائماً؟

حين نرصد هذه الأنماط معاً، ينبغي لنا أن نتوقف عند سؤال أكثر صعوبةً: لماذا تُعيد الجمهوريات إنتاج الملوك، حتى حين تُعلن صراحةً أنها تكرههم؟

الإجابة السهلة هي النفاق السياسي. لكن النفاق وحده لا يكفي تفسيراً لظاهرة بهذا الانتشار وهذا التكرار عبر الثقافات والأيديولوجيات والقارات.

ثمة تفسير أعمق يبدأ من هذه الملاحظة: الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأقدم في التاريخ الإنساني. قبل الدولة، وقبل الديمقراطية، وقبل الجمهورية، وقبل الدستور — كانت الأسرة. وحين يتعرّض الإنسان للخطر الوجودي، تنكمش دوائر ثقته وتعود إلى الأقرب: إلى النسب الذي يعرفه، والاسم الذي يضمنه.17

الحرس الثوري الإيراني، حين مارس ضغوطه لتنصيب مجتبى خامنئي، لم يكن يُنفّذ مؤامرة ضد المبدأ الجمهوري. كان يفعل ما تفعله كل مؤسسة محاصَرة في لحظة خطر: تبحث عن الاستمرارية في أقرب وجه وأوثق اسم. والاسم كان معروفاً. والوجه كان متاحاً.

هذا لا يُبرّر التوريث ولا يجعله مشروعاً. لكنه يجعله مفهوماً. والفرق بين الاثنتين فارقٌ لا يسقطه كثير من المعلّقين السياسيين الذين يميلون إلى رؤية السلطة كاختيار أيديولوجي محض، بمعزل عن غرائز أعمق تسبق الأيديولوجيا.

الجمهوريات لا تفشل حين تُنتج ملوكاً. هي تفشل حين تظنّ أنها قادرة على إلغاء الطبيعة البشرية بقرار دستوري. التوريث ليس خيانةً للمبدأ، بل هو كشفٌ عن حدوده.

ولعلّ أشدّ ما يُثير التأمل في هذا السياق هو الحالة الإيرانية بالذات: ثورة 1979 لم تُطح بالشاه فقط، بل أطاحت بفكرة الملك ذاتها — أو هكذا أعلنت. ثم أقامت نظام “ولاية الفقيه” الذي يُعطي المرشد صلاحيات تفوق ما كان للملك كثيراً. واليوم تُورّث هذه الولاية من أبٍ إلى ابنه. الشكل تغيّر، والجوهر بقي.

والأمر ذاته ينطبق على أمثلة كثيرة في التاريخ: ثورة فرنسا أنتجت نابليون ثم ملوكية عائلته. ثورة مكسيكو أنتجت “حزب المؤسسة الثورية” الذي حكم لسبعين سنة. الثورة الروسية أنتجت ستالين. لا يبدو أن الثورات تُلغي التوريث — بل تُعيد تسمية من يرث.

خامساً: سؤالان بلا جواب

نقف عند هذه النقطة من المقال أمام خيار: إما أن نُقدّم خلاصةً مُريحة، وإما أن نُقرّ بأن السؤال أكبر من أي خلاصة. نختار الثانية.

السؤال الأول: إذا كان التوريث يعود في كل مرة بصرف النظر عن الأيديولوجيا، فهل المشكلة في الحاكم أم في الشعب الذي يقبله؟ ولو كان في الشعب — فهل ذلك لأنه يرتاح للمألوف، أم لأنه محكومٌ بخيارات يصنعها غيره ثم يُقدَّمها له بوصفها إرادته الحرة؟

السؤال الثاني: ما الفرق الحقيقي بين توريث اسم وتوريث منظومة؟ ترامب لم يرث حكماً من أبيه، لكن الطبقة التي تُقرّر في واشنطن مستمرة بصرف النظر عمّن انتُخب. الفلبين انتخبت ابن الديكتاتور في انتخابات حرة. هل هذا توريث أم اختيار؟ ومتى يكون الاختيار توريثاً بعباءة الإرادة الشعبية؟

مجتبى خامنئي يجلس اليوم في منصب والده. ورضا بهلوي يطالب بحق “التحوّل الديمقراطي” الذي لم يُنتخب لقيادته. والعالم يتساجل حول من سيختار المرشد التالي — لا حول ما إذا كان البشر قادرين أصلاً على اختيار ما لم يُوهَموا أنهم يريدونه.

لا نملك جواباً. لكنّ السؤال نفسه — حين يُطرح بهذه الصورة — هو الشيء الوحيد الذي يبقى حين تسقط كل الشعارات.


المراجع والمصادر

(1) إعلان مجلس خبراء القيادة الإيراني تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى. وكالتا تسنيم وإيرنا، 9 مارس 2026. تقرير NBC News: Mojtaba Khamenei named Iran’s new supreme leader, state media report.

(2) تقارير عن ضغوط الحرس الثوري ومقاطعة ثمانية أعضاء لجلسة مجلس الخبراء. إيران إنترناشيونال، مارس 2026.

(3) تصريح ترامب لوكالة أكسيوس وعلى شاشة إيه بي سي نيوز: “The attack was so successful it knocked out most of the candidates. Second or third place is dead.” TIME Magazine, March 2026.

(4) إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتز، 4 مارس 2026، بأن أي خليفة لخامنئي سيُعدّ هدفاً. NBC News / Wikipedia: 2026 Iranian Supreme Leader election.

(5) تصريح كايا كالاس، المفوضة العليا للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي. Wikipedia: Assassination of Ali Khamenei.

(6) تقارير عن الانقسام الشعبي الإيراني في مدن متعددة. Wikipedia: Assassination of Ali Khamenei.

(7) معارضة علي خامنئي الشخصية لتعيين ابنه خلفاً له. TIME Magazine / CBC News, March 2026.

(8) رضا بهلوي، ابن الشاه محمد رضا بهلوي، المُطاح به في ثورة 1979. مقابلة CBS News / 60 Minutes.

(9) تصريحات رضا بهلوي. Tribune / Reuters, March 2026.

(10) Newsweek: “Who could lead Iran after Khamenei’s death?” / CBS News 60 Minutes transcript.

(11) جورج هربرت ووكر بوش: رئيس الولايات المتحدة 1989-1993. جورج ووكر بوش: رئيس الولايات المتحدة 2001-2009.

(12) كيم إيل سونغ (1948-1994)، كيم جونغ إيل (1994-2011)، كيم جونغ أون (2011-حتى الآن). ويكيبيديا.

(13) فوز فرديناند ماركوس الابن بالرئاسة الفلبينية 2022. The Guardian, May 2022.

(14) دميتري ميدفيديف: رئيس روسيا 2008-2012. ويكيبيديا.

(15) تعديل الدستور الصيني 2018. بي بي سي عربي، مارس 2018.

(16) The Revolving Door Project / Harvard Kennedy School of Government.

(17) للتعمق في سؤال الأسرة وعلاقتها بالسلطة السياسية: Francis Fukuyama, “The Origins of Political Order”, 2011. وللاستزادة في فلسفة التجربة الإنسانية الأولية وعلاقتها بالأبنية الأيديولوجية، راجع مقالتنا: ولتر ستيس | الفيلسوف الذي عبر الحدود.

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *