امراة مصابة بالارهاق

نعمة النسيان| حين يحرمنا الذكاء الاصطناعي من النسيان

|

الإنسان كائنٌ ينسى، وهذا ليس عيباً في التصميم بل هو جوهر التصميم ذاته. لكنَّ الذكاء الاصطناعي لا ينسى، ليس لأنه قويٌّ، بل لأن النسيان ببساطةٍ لم يُبرمَج فيه. فكل صورةٍ رفعتَها، وكل تعليقٍ كتبتَه في لحظة غضبٍ، وكل بحثٍ أجريتَه في منتصف الليل — محفوظٌ في مكانٍ ما، في خوادمٍ لا تشيخ ولا تشفق. فهل لا تزال النسيانُ نعمةً في عصرٍ يُسجِّل كل شيءٍ؟

*”ما أقدرش أحب غيرك.. ولا أقدر أحب تاني..
وأحاول أنسى ليلة، ليلة.. ما أقدرش أنساك ثواني..
وأتمنى أنسى حبك.. ألقى النسيان أماني..
ياللي مكتوب لي أحبك.. بعد عمري كمان..
وأنت مكتوبلك يا بختك.. نعمة النسيان.”*

هكذا غنّت المطربة ميادة الحناوي بصوتها الذي يشبه البكاء المكتوم، وكأنها لم تكن تغني لجمهورها فحسب، بل كانت تغني لنفسها أولاً. تلك الفتاة السورية التي جاءت من حلب إلى القاهرة وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، تحمل صوتاً يفوق سنّها وقلباً لم يتعلّم بعد كيف ينسى.

النسيان، نعمة أم نقمة؟

أقامت ميادة عامين في القاهرة تتتلمذُ على يد الملحن المصري المشهور محمد عبد الوهاب، حتى جاء اليوم الذي طرق فيه ضابطان باب شقتها في الزمالك، واصطحباها إلى مكتب مدير الهجرة دون أن يسمحا لها حتى بالعودة لتحمل أغراضها. كان قرار الترحيل جاهزاً وموقّعاً، وكان السبب الحقيقي الذي لم يُذكر في الأوراق الرسمية هو غيرة زوجة عبد الوهاب، من هذه الشابة التي رأت فيها خطراً على زوجها. لم تُرحَّل ميادة فقط من مصر، بل رُحِّلت من أغنيةٍ كانت قد أُعدّت لها، فوجئت لاحقاً بالمطربة المشهورة وردة الجزائرية تغنيها، وكان ذلك، كما قالت هي: “اغتيالاً معنوياً”.
ثم جاءت أغنية “نعمة النسيان” وكأن القدر يمتلك حس فكاهةٍ أسودٍ، فجعل تلك المرأة التي لم يُتَح لها أن تنسى، تغني أجمل ما قيل عن النسيان.

قصة ميادة تطرح سؤالاً إنسانياً عميقاً ظلّ معلّقاً في الهواء لقرون: هل النسيان نعمةٌ أم نقيصةٌ؟ وهل فقدانه مصيبةٌ أم جريمةٌ؟ هذا السؤال في جوهره فلسفيٌ وأدبيٌ، حتى جاء الذكاء الاصطناعي ليحوّله إلى سؤالٍ تقنيٍ وقانونيٍ وأخلاقيٍ في آنٍ واحد.

الذاكرة البشرية — معجزة الحذف
الإنسان كائنٌ ينسى، وهذا ليس عيباً في التصميم بل هو جوهر التصميم ذاته. علماء الأعصاب يعرفون اليوم أن النسيان ليس فشلاً في تخزين المعلومات، بل هو عمليةٌ فعّالةٌ ينتقي من خلالها الدماغ ما يستحق البقاء وما ينبغي أن يتلاشى. النوم نفسه هو في جزءٍ كبيرٍ منه عملية حذفٍ منظّمٍ، يُخلّص الدماغ خلاله من الضوضاء كي يحتفظ بالمعنى.

النسيان يمنح الإنسان شيئاً ثميناً جداً: القدرة على المضيّ قُدُماً. الإنسان الذي يتذكر كل شيءٍ لا يتحرر من شيءٍ. وقد وثّق الطب النفسي حالاتٍ نادرةٍ لأشخاصٍ يعانون من فرط الذاكرة، أو ما يُعرف طبياً بـ Hyperthymesia، وهم قادرون على تذكر كل يومٍ من حياتهم بتفاصيله الدقيقة. يبدو ذلك موهبةً مدهشةً من الخارج، لكن معظم هؤلاء يصفون حياتهم بأنها مرهقةٌ ولا تُحتمل، إذ أنهم لا يستطيعون الهروب من أيّ خطأٍ ارتكبوه، أو أيّ خسارةٍ مرّوا بها، أو أيّ إهانةٍ تلقّوها. هم محاصرون في متحفٍ داخليٍ لا تُغلق أبوابه أبداً.

المسلسل الأمريكي الشهير “الدكتور هاوس” جسّد هذه الحالة الإنسانية، في حلقةٍ بعنوان “You Must Remember This”. بطلة الحلقة هي نادلةٌ في مطعمٍ، تتذكر كل لحظةٍ من حياتها منذ سن البلوغ بدقةٍ مذهلةٍ لا تُصدَّق، وتسبب لها ولمحيطها المفارقات الغريبة، لكن هذه الذاكرة المعجزة تحمل ثمنها الفادح. حين تزورها أختها في المستشفى وتعرض تقديم كليتها لها لعلاجها، ترفضها البطلة وتغضب بشأن نوع الورود التي تكرهها. إن ذاكرتها الحرفية لا تُميّز بين جرحٍ قديمٍ وزلّةٍ عابرةٍ، وبين حادثةٍ عرضيةٍ وخيانةٍ مقصودةٍ. كل شيءٍ محفوظٌ بنفس الوضوح ونفس الحضور وكأنه حدث للتو. وحين يعرض عليها هاوس دواءً يُخفّف حدة ذاكرتها، تتردد وتقول جملتها الأكثر مأساويةً في الحلقة كلها: “ذاكرتي هي الشيء الوحيد الذي جعلني مميزة.” الذاكرة المطلقة إذن ليست موهبةٌ، بل سجنٌ مبطّن بالمرايا، تتكسر فيه المصالحة وتموت المسامحة.
النسيان إذن ليس ضعفاً، بل هو شرط الصحة النفسية.

الذكاء الاصطناعي — كائنٌ لا ينسى بطبعه
في المقابل، الذكاء الاصطناعي لا ينسى. ليس لأنه قويٌ، بل لأن النسيان ببساطةٍ لم يُبرمَج فيه.
كل صورةٍ رفعتها يوماً، كل تعليقٍ كتبته في لحظة غضبٍ، كل بحثٍ أجريته في منتصف الليل، كل موقفٍ زرته مرةً واحدةً من باب الفضول، كل هذا محفوظٌ في مكانٍ ما، في خوادمٍ تعمل على مدار الساعة، في قواعد بياناتٍ لا تشيخ ولا تتعب ولا تشفق!

الأسوأ من ذلك أن هذه البيانات لا تُحفظ فحسب، بل تُحلَّل وتُرتَّب وتُدمج مع بياناتٍ أخرى لتكوين صورةٍ عنك أكثر دقةً مما تعرفه أنت عن نفسك. خوارزميات التعلم الآلي قادرةٌ على استنتاج ميولك السياسية من نوع الموسيقى التي تستمع إليها، وتوقع حالتك المزاجية من أنماط كتابتك، وتخمين وضعك المالي من ترتيب تصفّحك للمواقع. أنت لم تُخبر أحداً بهذه المعلومات صراحةً، لكن النظام استنتجها وحفظها وربما باعها!!

الحق في النسيان — حين صار النسيان مطلباً قانونياً
في عام ٢٠١٤ صدر حكمٌ تاريخيٌ من محكمة العدل الأوروبية في قضية باتت تُعرف بـ “قضية غونزاليز ضد غوغل”. كان غونزاليز مواطناً إسبانياً نشرت صحيفةٌ إلكترونيةٌ خبراً عن أزمةٍ ماليةٍ مرّ بها قبل سنوات وتجاوزها تماماً. لكن كلما بحث أيّ شخصٍ عن اسمه في غوغل، كان ذلك الخبر القديم يظهر في المقدمة. طالب غونزاليز بحذفه، فرفضت غوغل، فلجأ إلى القضاء، وكسب القضية.

كان ذلك الحكم إعلاناً رسمياً بأن للإنسان “حقاً في النسيان”، وأن محركات البحث ملزمةٌ بحذف المعلومات الشخصية القديمة التي لم تعد ذات صلةٍ. وتُعدّ اللائحة الأوروبية لحماية البيانات GDPR التي صدرت عام ٢٠١٨ الإطار القانوني الأشمل حتى اليوم في هذا المجال، إذ أنها تمنح المواطن الأوروبي الحقّ في طلب حذف بياناته الشخصية من المنصات الرقمية.

لكن هذا الحق يظل محدوداً ومتفاوتاً بين دولةٍ وأخرى. خارج أوروبا، وفي معظم دول العالم العربي، لا يوجد حتى اللحظة إطارٌ قانونيٌ واضحٌ يكفل للفرد حقه في محو ماضيه الرقمي.

حين تُصبح الذاكرة الرقمية سلاحاً
المشكلة لا تقتصر على الشركات الكبرى. في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح أيّ شخصٍ يملك بياناتٍ كافيةٍ قادراً على بناء “ملفٍ” مفصّلٍ عن شخصٍ آخر دون علمه.
تخيّل موظفاً أُفلت منه تعليقٌ غاضبٌ على منصةٍ ما قبل عشر سنوات، في سياقٍ مختلفٍ وظروفٍ مختلفةٍ. اليوم يستطيع صاحب العمل المحتمل أن يجد ذلك التعليق في ثوانٍ، وقد يقرأه خارج سياقه تماماً. أو تخيّل شخصاً مرّ بتجربةٍ شخصيةٍ صعبةٍ وعبّر عنها رقمياً، ثم تجاوزها ونضج وتغيّر. الذاكرة الرقمية لن تمنحه ما منحته الحياة للآخرين: فرصة أن يُعرَف بمن أصبح، لا بمن كان.

هذا ما يجعل الذاكرة الرقمية أحياناً أداة قهرٍ بامتياز. ليست فقط في يد الأنظمة الاستبدادية التي توظّفها لملاحقة معارضيها، بل حتى في الحياة اليومية العادية حيث يحمل الناس آثار أخطائهم القديمة مهما حاولوا المضيّ إلى الأمام.

ذاكرة الذكاء الاصطناعي — مرآةٌ أم سجن؟
ثمة فارقٌ جوهريٌ بين ذاكرة الإنسان وذاكرة الآلة. الإنسان يتذكر بالمعنى، أي إنه يُعيد بناء الماضي في ضوء الحاضر، ويُعيد تفسير التجارب وإعادة ترتيبها وفق ما تعلّمه لاحقاً. لهذا السبب شاهدان على الحادثة ذاتها يمكن أن يرويا قصتين مختلفتين تماماً بعد سنواتٍ، لأن كلاً منهما بنى ذاكرته من خلال تجربته الخاصة وتطوره الشخصي.
أما الآلة فتتذكر بشكلٍ حرفيٍ الوقائع.. ما دخل كما دخل يبقى كما بقي. لا تأويل، لا سياق، لا رحمة.

وهنا تكمن المفارقة العميقة: نحن نُعلّم الذكاء الاصطناعي من تجاربنا البشرية، لكننا نمنعه من أن يرث معنا أسمى ما في تلك التجربة: القدرة على المسامحة والنسيان والسماح بأن يكون الإنسان أكثر مما كان.

نعمة النسيان في زمنٍ لا ينسى
في عامِ ٢٠٠٤ قدم المخرج الفرنسي ميشيل غوندري فيلمه ذو العنوان الشاعري: “Eternal Sunshine of the Spotless Mind”، بالعربية: “ضياءٌ أبديٌّ لعقلٍ بلا بقعٍ” يلعبُ فيه جيم كاري دور رجلٌ انتهت علاقته بحبيبته بعد علاقةٍ عاطفيةٍ مضطربةٍ حين يكتشف أنها لجأت إلى شركةٍ متخصصةٍ في محو الذكريات لتمحوه من عقلها تماماً، فيقرر أن يفعل مثلها انتقاماً وهرباً من الألم.. لكن ما يحدث أثناء العملية هو ما يجعل الفيلم استثنائياً، فبينما كانت ذكرياته تُمحى واحدةً تلو الأُخرى، يبدأ في إدراك أنه لا يريد الفقدان، ويحاول يائساً أن يُبقيَ على ما تبقى. فالحب لا يظهر بوضوحه إلا حين يوشكُ على الاختفاء.
الفيلم سؤالٌ فلسفيٌ موجعٌ: لو أنك قادرٌ على محو كل ألمٍ مررتَ به، هل كنت ستفعل؟ والجواب الذي يقدمه بهدوءٍ هو: لا. لأن الألم نفسه هو ما صنعك، وما جعل فرحك ممكناً، وما منح لحظاتك وزناً وقيمةً وعمقاً.
وميادة الحناوي كانت تعرف هذا جيداً حين غنت عن النسيان. كانت تغني من جرحٍ حقيقيٍّ، لا من فراغٍ. وربّما لو نسيت لما أعطتنا تلك الأغنية الخالدة.
اليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، لو أن تلك القصة حدثت على منصةٍ رقميةٍ لبقي كل شيءٍ: قرار الترحيل، والأغنية المسروقة، والجرح المكتوم، محفوظاً في خوادمٍ لا تعرف الرحمة. كل تعليقٍ مسيءٍ، كل صورةٍ غبيةٍ كانت أو عفويةٍ، كل لحظة ضعفٍ.
النسيان نعمةٌ قالت ميادة. وربما كانت محقةٌ تماماً. لكن المشكلة أن العالم الرقمي الذي نبنيه بأيدينا يرفض هذه النعمة رفضاً قاطعاً، ويتمسك بكل شيءٍ كأنه لا يؤمن بحق الإنسان في أن يتجاوز ما كان، وأن يصبح ما يريد.
ربما الحرية الحقيقية في هذا العصر لا تكمن فقط في حرية التعبير، بل في حرية أن تُنسى، (أحياناً) على الأقل..

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *