قصة قصيرة | تذكار حي
«سأحتفظ بهديتك… تذكارك هذا، صبّارة الألوفيرا الصغيرة. سأتعهدها بالعناية والرعاية، لتحافظ على ذكرياتنا حيّة، وتبقى تُذكّرني بك كما تقولين. ففعليًا، أنا لديّ زوجة، وأنتِ لديكِ زوج… للأسف.»
– «في المدينة الضخمة يصعُبُ عليّ السير… إن أردتُ صعودَ حافلةٍ أو سيارةٍ لا أعرف قراءةَ وجهتها، وإن رغبتُ بالذهاب إلى عنوانٍ ما يتوجب عليّ أن أسأل ثلاثة أشخاصٍ على الأقل… أحياناً أتساءل: هل لديّ اسمٌ إن لم أكن أتقن كتابته؟ كم هو الأمر مرهق!»
شرح سمير جلّ مشكلته لهالة، زميلته في العمل.
هو لا يعرف الكثير من الأمور، لا يعرف كيف تُقرأ الحروف الأبجدية ولا الكتب، هو أُمّيّ. قِلّةٌ من الأشياء التي هو على يقينٍ منها، لكنه بات متأكداً أنه يُحب هذه المرأة، وهذا ما أوضحه لها بجلاءٍ بعد ما خاضاه سويّةً مؤخراً. كانت علاقةً عاطفيةً عاصفةً وسريعةً… و مبتورة.

– «إن كنتِ لا ترغبين برؤيتي مجددًا، وتؤكدين استحالة اللقاء، فلن نستطيع حتى الاطمئنان على بعضنا بالتراسل كما تشيرين.»
لم تُجب هالة على تساؤله بأيّ حرفٍ أو إشارة، فأكمل:
– «سأحتفظ بهديتك… تذكارك هذا، صبّارة الألوفيرا الصغيرة. سأتعهدها بالعناية والرعاية، لتحافظ على ذكرياتنا حيّة، وتبقى تُذكّرني بك كما تقولين. ففعلياً، أنا لديّ زوجةٌ، وأنتِ لديكِ زوج… للأسف.»
كان معمل «العطّار» في دمشق قد توقّف عن إنتاج البرّادات والغسّالات مع بداية الاضطرابات التي عمّت البلاد، بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية وتوقّف استيراد المحركات جرّاء الحصار الاقتصادي. تحوّل المعمل الذي يعمل فيه سمير إلى مجرّد ورشة صيانةٍ، وفُصل معظم العمّال.. فبقي هو، ورحلت هالة مع من رحلوا.
ظلّت الذكرى… وعاشت الصبّارة.

نمت، وكبرت، وسمقت، بفضل الرعاية الدائمة من سقايةٍ وتسميدٍ وتهويةٍ وإنارة. بقي التذكار الحي في طرف الصالون بدايةً، قبل أن تُقرّبه زوجة سمير من باب الشرفة، ليختم رحلته هناك، جوار أصيص الياسمين وتنكة النعنع.
وفى سمير وعده لهالة، ولم يحاول التواصل معها بأيّ شكلٍ من الأشكال. عاش التذكار أكثر من عشر سنواتٍ، مُذكّراً سميراً بمغامرته العاطفية الغريبة، وكان ذلك بفضل اهتمام زوجته الدائم بالصبّارة…
ومع وفاة زوجته المخلصة، ماتت الصبّارة عطشًا.







