قصة قصيرة | سوء توقيت
فجأةً، وبكل بساطةٍ وبدون استئذانٍ أو مقدماتٍ، جلست قبالته فتاة، كأن ذلك من طبيعة الأشياء، أو كأن المقعد كان ينتظرها منذ الصباح. لم تكن سوى رنا، مشرفة مراقبة الجودة في المعمل. حين أمالت رأسها جانبًا وهي تنظر إليه، انزاح شعرها الكستنائي ليكشف له عن أذنٍ جميلة الشكل، سمراءَ ناعمةً، كأنها خُلِقَت للتو، تتوهّج حوافها بهُدبٍ دقيقٍ يكاد لا يُرى.
كان عامر يجلس على طاولةٍ بمحاذاة نافذة غرفة استراحة العمّال، يحتسي الشاي، أو يدّعي أنه يحتسيه، بينما كان في الحقيقة مستغرقاً بمتعةٍ خالصةٍ في تتبّع تسلسل الأحداث في روايةٍ ورقيةٍ بين يديه. كان الوقت ينساب ببطءٍ محبّبٍ، والضجيج الخافت للمعمل في الخارج يصل إليه كأنه صدىً بعيد، لا يعنيه.
فجأةً، وبكل بساطةٍ وبدون استئذانٍ أو مقدماتٍ، جلست قبالته فتاة، كأن ذلك من طبيعة الأشياء، أو كأن المقعد كان ينتظرها منذ الصباح. لم تكن سوى رنا، مشرفة مراقبة الجودة في المعمل. حين أمالت رأسها جانبًا وهي تنظر إليه، انزاح شعرها الكستنائي ليكشف له عن أذنٍ جميلة الشكل، سمراءَ ناعمةً، كأنها خُلِقَت للتو، تتوهّج حوافها بهُدبٍ دقيقٍ يكاد لا يُرى.
كان الكأس الذي تمسكه رنا بكلتا يديها فارغاً، عدا عن بقايا شرابها الأحمر الملتصقة بالقاع. لذلك، حين سألته بهدوءٍ عفوي:
«هل ستشرب الشاي؟»
وأشارت بأصبعها الرهيفة إلى كأسه، لم يكن لدى عامر ما يدفعه للسؤال عن مراميه، خاصّةً وأن شفتيه لم تلامسا الكأس المجّاني أصلاً.
كان عامر ورنا يعرفان بعضهما بعضاً _بشكلٍ ما_ فمن بين الموظفين الخمسين في معمل الأدوية هذا، كانا كلاهما إداريَّين. هو مشرف الدعم المعلوماتي (IT)، لا علاقةً مباشرةً له ببقيّة العمّال، يدير مراسلات المعمل الإلكترونية، ويصلح أعطال الحواسيب للإدارة، وقد يتدخّل أحياناً في عمل المحاسب إذا أخطأ عند تنظيم جداولٍ أو فواتيرٍ لا علاقة لها بالرواتب.
في ذلك اليوم، لم يتبدَّ لعامر أيّ قدرٍ من الوقاحة في سلوك رنا. سألتْه عمّا يقرأ، فذكر روايةً لغيوم ميسو، الكاتب الفرنسي – الأميركي، ومن هناك انسابت الأحاديث بسلاسةٍ غير متوقَّعة.
ثلاثون دقيقةً كاملة، هي زمن استراحة الغداء، مرّت كأنها عشر دقائق. وحين انتهى الوقت، كانا قد تبادلا أرقام الهواتف، وقالت رنا، وكأنها تلقي جملةً عابرة لا أكثر:
«دعني أستعيرها منك… الملل يقتلني، ولا عمل حقيقي لديّ، فكل شيءٍ في المعمل يسير بمنتهى الكفاءة والجودة!»
بعد أن أيقنتْ رنا أنّ عامر يتبعها، بدأت تتراشق في مشيتها أكثر من عادتها، وشدّت معطفها ليبان خصرها النحيل، جماله، وحسن تكوينه. لم تلتفت، لكنها كانت تشعر بخطواته خلفها، وبنظره الذي يحاول ألّا يكون فاضحاً.
في عصر ذلك اليوم، وضعت رنا أغراضها على الأريكة التي كانت، مع طاولة الطعام المتوسّطة، وخزانة التلفاز، وزوج المقاعد ذات الذراعين، تشكّل كامل أثاث غرفة المعيشة. تناولت زجاجة مياهٍ من الثلاجة، وتوجّهت إلى غرفة النوم لتبدّل ملابسها.
أعادها أزيز رسائل هاتفها إلى الصالة. وبالكاد أدركت، بعدما اشتدّ بها العطش واضطرّت للبحث عن زجاجة المياه في غرفة النوم، أنّ ثلاث ساعاتٍ كاملةٍ قد انقضت وهي تراسل عامر عبر واتساب.
اعتذرتْ له بحاجتها لتحضير الطعام، بينما كانت في الحقيقة قد أنهت خلع ملابسها، واستلقت على السرير، تتابع قراءة رواية غيوم ميسو بشغفٍ حقيقي، إلى أن انتهى التقنين الكهربائي. وبعد الاستحمام وارتداء ملابسها، جلست في الصالة لتُكمل الحديث الذي بدا وكأنه لا يعرف نهاية. حقيقةً، كلاهما يجهل في أيّ ساعةٍ متأخّرة انتهى ما بينهما.
في صباح اليوم التالي، كانت رنا تشاهد مقطع فيديو على هاتفها بتكاسلٍ، حين وصلتها مكالمة من حبيبها السابق، عروة. كانت لا تزال في سريرها، لم تنهض بعد، ففركت عينيها لطرد بقايا النوم. راحت تتذكّر وجهه القمحي المنمّق، عينين عسليّتين ذكيتين تخطفان القلب، تحفّهما أهدابٌ سوداء طويلة.
قبالة عينيها، على الطاولة المجاورة، كانت رواية «فتاةٌ من ورق» — كتاب عامر المستعار — تستلقي خجولةً، كأنها تنتظر أن تُكمِل القصّة معها. تمتمت رنا في سرّها:
«ويلي على قامتي على هذه المصيبة!»
في استراحة الغداء، ضحكت رنا على تعليق عامر حول سرعتها في القراءة، وهي تضع «فتاةٌ من ورق» بين يديه. تألّقت عيناها السوداوان، وانغرزت الغمّازة في خدّها الأيمن، وبرقت أسنانها البيضاء على بشرتها السمراء.
كم تخيّل عامر تلك الضحكة في الليلة الماضية، واشتاق لها. تمنّى، في سرّه، أن يختلس قبلةً من خدّها ذي الغمّازة، لولا أعين العمّال من حولهما.
أمّا رنا، فقد أمضت ما قبل الاستراحة في مراجعة شريط ذاكرتها: أفكارها، أحلامها، هواجسها… متداخلةً، مقلوبةً، من الخلف إلى الأمام وبالعكس…
في بداية علاقتها بعروة، نما في ذهنها حلمٌ جميل: منزلٌ صغير يجمعهما. ومع مرور الأيام، تماوت هذا الحلم وتلاشى تدريجيّاً، حين زاحمته أحلامٌ أخرى أقوى، خاصّةً مع يقينها بأن عروة يقضي معظم وقته مع نساءٍ أخريات، ويعمل في مدينةٍ أخرى، لا يعود إلى دمشق إلّا في إجازاته القليلة.
ورغم كلّ ذلك، قرّرت أن تمنحه محاولةً أخيرةً… ولو كانت وداعيّةً.
كلاهما، رنا وعامر، كان قد اتّخذ قراره في التوقيت نفسه، دون أن يعلم أحدهما بقرار الآخر:
«إنّ السفينة في المرفأ آمنةٌ، لكن ليس لهذا الغرض تُبنى السفن.»








