حديث خرافة: بين اللغة، الأسطورة، والمعنى
في قاموس “لسان العرب” لابن منظور، يُعرَّف (الخَرَف) بأنه ما يصيب العقل نتيجة التقدم في السن، وهو تفسيرٌ لغويٌ بسيط، يكاد يكون حسياً، إذا ما تأملنا الجذر نفسه. فـ«خَرَّ» هو صوت الماء، صوتٌ لا تملّه الأذن، بل تنصح به مدارس العلاج النفسي للاسترخاء والنوم، لما يحمله من إيقاعٍ يشبه الهدهدة الأولى، صدىً بعيداً لذاكرة الجنين…
في قاموس “لسان العرب” لابن منظور، يُعرَّف (الخَرَف) بأنه ما يصيب العقل نتيجة التقدم في السن، وهو تفسيرٌ لغويٌ بسيط، يكاد يكون حسياً، إذا ما تأملنا الجذر نفسه. فـ«خَرَّ» هو صوت الماء، صوتٌ لا تملّه الأذن، بل تنصح به مدارس العلاج النفسي للاسترخاء والنوم، لما يحمله من إيقاعٍ يشبه الهدهدة الأولى، صدىً بعيداً لذاكرة الجنين في رحم أمه. أما (الخرافة)، فهي على النقيض من ذلك، حديثٌ متقطعٌ، طويلٌ، يرهق السمع، ويبعث الملل، كأن اللغة نفسها تميّز بين خريرٍ ينعش الروح، وتخاريف تستهلكها.
في مقابل هذا التفسير، يذهب قاموس “تاج العروس” وغيره من معاجم التراث، ومعها كتب السيرة والحديث، إلى إرجاع كلمة (خرافة) إلى رجلٍ من بني عذرة اسمه خرافة، قيل إن الجن اختطفوه، ثم عاد يروي ما شاهده من عجائبٍ وأهوال، حتى صار حديثه مضرب مثلٍ في الكذب والمبالغة: «أكذَبُ من خرافة». وتورد بعض الشروح أن هذا التفسير نُسب إلى النبي محمد نفسه. هنا، لا يعود الخلاف لغوياً فحسب، بل تأويلياً: هل نحن أمام كلمة نشأت من توصيف حالةٍ عقليةٍ بشرية، أم أمام قصةٍ جرى تحميلها معنىً لغوياً لاحقاً؟
هذا الميل إلى الحكاية التفسيرية يذكّرنا بمحاولات البشر الدائمة لشرح الظواهر المعقدة بسردياتٍ طويلة، كتلك القصة الشعبية عن الجرة السحرية التي سقطت في البحر فصار مالحاً. ليست المشكلة في الحكاية ذاتها، بل في لحظة تحوّلها من مجازٍ مريحٍ إلى تفسيرٍ حرفيٍّ للعالم.
((في البدء كانت الكلمة)): عبارةٌ إنجيليةٌ كثيفةٌ، قرأها اللاهوت المسيحي بوصفها إشارةً إلى المسيح ذاته، لا إلى لفظٍ مجرد.. فالرب الأعلى، المتعالي عن الصفات، لا يُدرَك، بينما الرب الأدنى – الكلمة – هو مظهر الصفات، الصورة التي يمكن للعقل البشري أن يتعامل معها. في هذا السياق، لا تبدو الفكرة ساذجةً، بل محاولةٌ فلسفيةٌ عميقةٌ للتوفيق بين المطلق والمُتعيّن.
أما في الإسلام، وخصوصاً في التقليد السني، فالتعامل مع هذه الفكرة أكثر حذراً. صحيح أن بعض الروايات تتحدث عن (نور محمد) السابق للخلق، إلا أن القول بمحمد بوصفه (القرآن الناطق) ظلّ إشكالياً. القرآن نفسه يروي كيف اتُّهم النبي بأن ما جاء به ((أساطير الأولين اكتتبها))، والأساطير في أصلها اللغوي هي ما كُتب في السطور، في وقتٍ لم يكن فيه القرآن مدوّناً بعد. الاتهام هنا لم يكن إنكاراً للغيب، بل تشكيكاً في مصدر الحكاية وطبيعتها.
في مجتمعاتنا، غالباً ما يُنظر إلى الحكايات الشعبية بوصفها نتاج خرافاتٍ ساذجةٍ مرتبطةٍ بالسحر والتطيّر، لا تليق بـ”المجتمع الرفيع” إلا إذا أُعيدت صياغتها بثوبٍ حداثي. في المقابل، تُرفع الأساطير الدينية إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، وتُفصل عن سياقها الرمزي، حتى تغدو أسمى من الواقع نفسه… هكذا، نضحك من قصة جدّةٍ عن عنزةٍ تتكلم، ونكذّب بابا نويل في طفولتنا المبكرة، لكننا نكافئ الطفل الذي يروي قصص الطوفان أو المعراج حرفياً، ونراه دليلاً على ذكائه ونباهته.
الإشكال لا يكمن في الإيمان ذاته، بل في القراءة الحرفية التي تلغي المجاز. فالإيمان بتسطّح الأرض، أو بولادةٍ بلا أيّ آليةٍ طبيعية، أو برحلةٍ جسديةٍ عبر السماء والفضاء بسرعةٍ تتجاوز كل منطقٍ فيزيائي، يصبح إشكالياً حين يُطرح بوصفه حقيقةً علمية، لا رمزاً وجودياً. هنا، لا يعود الخلاف بين مؤمنٍ وملحد، بل بين قراءتين للعالم: قراءةٌ ترى في النص معنىً، وأخرى تحصره في الحدث.
(المعجزة) في أصلها اللغوي ليست خرقاً لقوانين الكون، بل ما يعجز الإنسان عن الإتيان بمثله. العادة هي الناموس، والناموس هو الحكمة. لذلك قيل: “ليس من شأن الحكيم أن يُفسد العادة”. فمحمدٌ، ويسوعٌ، وغيرهما من العظماء، لم يكونوا بحاجةٍ إلى كسر قوانين الوجود لإثبات حضورهم؛ وجودهم ذاته، وأثرهم الممتد، هو المعجزة.
بهذا المعنى، يصبح هؤلاء “الكلمة الأولى” في كلّ زمنٍ، لا لأنهم فوق البشر، بل لأن البشر عجزوا عن تكرار حقيقتهم، فاكتفوا بتقليد مظاهرهم. ويغدو (يوم القيامة) لحظةً شخصية، يوم يقف فيه الإنسان أمام أساطيره، لا ليحطمها، بل ليعيد قراءتها، ويحوّلها من خرافةٍ جامدةٍ إلى معنىً حيّ.

