old photo album family vintage memories

من سيكتب مذكرات عائلتنا؟ الذكاء الاصطناعي والدفء الإنساني

| |

فتحت فيسبوك عام 2010 وبعض أصدقائي الآن في قائمة الموتى — لكن صفحاتهم ما زالت تُذكّرني بهم. من سيكتب ذاكرة العائلة في زمن الخوارزميات؟

فتحت حساب فيسبوك في عام 2010..

كنت متحمسةً كما كان الجميع آنذاك: صورٌ، تعليقات، طلبات صداقةٍ من أشخاصٍ لم أرهم منذ المدرسة. بنيت ببطء قائمة أصدقاء تجاوزت الأربعمائة، ثم مرّت السنوات.

اليوم، حين أتصفح تلك القائمة، أجد فيها أشخاصاً لم يعودوا هنا. رحلوا، بعضهم في ظروفٍ مفاجئة، وبعضهم بعد مرض، وبعضهم في سنواتٍ كانت سوريا فيها تخسر الكثير، لكن صفحاتهم ما زالت قائمةً. صورهم ما زالت تُضحك، منشوراتهم ما زالت تُعلّق عليها “ذكريات جميلة”، وفي بعض الأحيان، تُرسل لي الخوارزمية إشعاراً بعيد ميلاد أحدهم.

لا أعرف إن كان هذا رحمةً أو قسوة.

فيسبوك: المقبرة الرقمية التي لا أحد يزورها بقصد

الأرقام مقلقةٌ، وإن كان أحد يفكر فيها. تشير التقديرات إلى أن فيسبوك بات يتجه نحو أن يصبح أول منصةٍ تتجاوز فيها حسابات الموتى حسابات الأحياء، وهو ما يُطلق عليه الباحثون مصطلح “المقبرة الرقمية” (Digital Graveyard). منذ عام 2009، بات بإمكان ذوي المتوفى طلب “تخليد” الحساب، فيظهر بجانب الاسم كلمة “remembering” وتتحول الصفحة إلى فضاءٍ للذكريات، لكن دون إخطار الأصدقاء الآخرين في معظم الأحيان. الصفحة تبقى، الخوارزمية لا تعلم.

وهذا بالضبط هو المشكلة والجمال معاً.

المشكلة: أن تتلقى إشعار عيد ميلاد لشخصٍ رحل منذ ثلاث سنوات. الجمال: أن تجد على صفحته تعليقاً كتبه قبل رحيله بأسبوع — ضحكة عابرة، لحظة طبيعية — وتتذكر أنه كان هنا، وكان حياً بكل تفاصيل الحياة الصغيرة.

الميت على فيسبوك لا يموت بالكامل، بل يتحول إلى ذاكرةٍ مُعلَّقةٍ في الزمن، لا تتقدم ولا تُمحى.

person holding phone shock bad news early morning dark room

ماذا يفعل الآسيويون — وماذا نستطيع أن نتعلم؟

حين ذكر بعض أصدقائي فكرة إنشاء ما يشبه المقابر الرقمية التذكارية، بدا الأمر غريباً في البداية.. لكنه ليس جديداً على الإطلاق في ثقافات أخرى.

في اليابان، ظهرت رموز الاستجابة السريعة QR على شواهد القبور منذ عام 2008، وحين تمسحها بهاتفك، تجد صوراً ومعلوماتٍ عن المتوفى، وتتيح لك إهداءه قرابين رمزيةٍ افتراضية كالطعام أو البخور أو التراتيل البوذية. وفي الصين، تُقدّر بعض الإحصاءات وجود أكثر من عشرة آلاف “قاعة تذكارية” رقميةٍ مدفوعة، يزورها الأهل رقمياً خاصةً في مناسبة عيد “تشينغ مينغ” السنوي لتكريم الأموات.

الفكرة الجوهرية ليست غريبةً: نحن نزور القبور لنحضر، لا لأن الميت يسمعنا. الحضور فعل للأحياء لا للأموات. والمقبرة الرقمية تمنح هذا الحضور شكلاً جديداً، أكثر مرونةً، وأقل ارتباطاً بالمكان، لكنه حاضر. (راجع مقالتنا: الأسرة العابرة للحدود: كيف تعيد التكنولوجيا تعريف صلة الرحم)

لكن زميلي يختلف — وهو على حق أيضاً

كتب زميلي في المنصة هنا مقالةً لم تفارقني منذ قرأتها: نعمة النسيان | حين يحرمنا الذكاء الاصطناعي من النسيان. وفكرته المركزية هي أن النسيان ليس فشلاً في الذاكرة، بل هو آلية شفاءٍ لا غنى عنها. الإنسان لا يستطيع أن يستمر وهو يحمل كل شيء.

وهنا يقع التعارض الحقيقي:

المقابر الرقمية — وصفحات فيسبوك الخالدة — لا تنسى، ولا تتحلل، ولا تمحو. تُبقي كل شيء في حالة تجميد أبدي. وبينما قد يُعزي هذا بعض ذوي المتوفى، قد يُعيق آخرين عن إتمام حزنهم والمضي قُدُماً.

الحزن البشري الطبيعي يسير عبر مراحل — إنكارٍ، ثم ألمٍ، ثم قبولٍ تدريجي، ثم تحوّل الذكرى من جرحٍ إلى ندبة. لكن حين تُرسل لك الخوارزمية كل عامٍ إشعاراً بعيد ميلاد من رحل، تُعيدك إلى نقطة الألم قسراً، دون أن تسألك.

النسيان التدريجي ليس خيانة للميت، بل هو الطريقة التي يسمح بها الأحياء لأنفسهم بالاستمرار.

من سيكتب مذكرات عائلتنا إذن؟

الذكاء الاصطناعي يدخل هذا الفضاء الآن بخطواتٍ حثيثة. ثمة تطبيقاتٌ تعمل على إنشاء “نسخةٍ رقمية” من المتوفى استناداً إلى رسائله وتسجيلاته الصوتية، حيث يمكنك أن “تتحدث” مع المتوفى. وثمة من يرى في هذا عزاءً، ومن يرى فيه رعباً.

لكن السؤال الأعمق ليس تقنياً، بل فلسفي: من يملك الحق في الرواية؟ الحكواتي التقليدي في كل ثقافةٍ — سواء كانت الجدة العربية التي تروي القصص، أو الشيخ الذي يؤبّن الراحل — كان يُصفّي الذاكرة ويختار منها ما يُبني ويُلهم. الخوارزمية لا تُصفّي، بل تُخزّن كل شيءٍ بلا تمييز. فهل تُغني الكمية عن الحكمة؟

أعتقد أن الذاكرة الأسرية الحقيقية لا تُصنع بالأرشفة، بل بالانتقاء والرواية والنسيان المتعمد لبعض الأشياء. الحكواتي البشري يعرف ما يقال وما يُسكَت عنه، بينما الخوارزمية لا تفرق.

grandmother hands writing letter journal

ما الذي يمكن أن نفعله — عملياً؟

في غياب إجاباتٍ نهائية، ثمة خطواتٌ بسيطةٌ تستحق التفكير:

  • حدّد “الوصي الرقمي” لك: فيسبوك يتيح تعيين “جهة اتصال الميراث” (Legacy Contact) التي تتحكم بحسابك بعد رحيلك — شخصٌ تثق به يقرر ما يُبقى وما يُحذف.
  • اكتب بنفسك قبل أن يكتب عنك غيرك: يوميات، رسائل لأطفالك، حتى منشورات تختار أنت صياغتها — هذا أصدق من أي نسخة رقمية ستصنعها خوارزمية.
  • أذن لنفسك بالنسيان: إيقاف إشعارات أعياد الميلاد لمن رحلوا ليس نكراناً للجميل — بل رعاية لنفسك.
  • احتفظ بشيء ملموس: صوتٌ، صورةٌ مطبوعة، رسالةٌ مكتوبةٌ بخط اليد — هذا ما تتذكره الأسرة فعلاً بعد عقود، لا بيانات الخادم.

راجع أيضاً: كلنا يقول: يا ليت الذكاء الاصطناعي له ذاكرة أكبر! | طقوس القهوة الصباحية: أكثر من مجرد كافيين في حياة السوريين


المراجع:

  1. Cann, C. K. (2014). Virtual Afterlives: Grieving the Dead in the Twenty-First Century. University of Kentucky Press.
  2. Brubaker, J. R., & Hayes, G. R. (2011). “We Will Never Forget You [Online]”: An Empirical Investigation of Post-mortem MySpace Comments. CSCW 2011.
  3. DeGroot, J. M. (2012). Maintaining relational continuity with the deceased on Facebook. OMEGA — Journal of Death and Dying, 65(3), 195–212.
  4. Kasket, E. (2019). All the Ghosts in the Machine. Robinson.

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *