الشاعر السوداني محمد عبد الباري

قصيدة | أندلسان، للشاعر محمد عبد الباري

|

تأملات في قصيدة “أندلسان” للشاعر محمد عبد الباري، حيث تتحول الأندلس من جغرافيا مفقودة إلى زمن عصي على الاستعادة، في نص يمزج بين رصانة التراث وحيرة الحداثة.

 

أندلسان.. رثائيةُ الوقتِ وبحثُ الغريبِ عَن الغريبِ

قراءة في تجربة الشاعر محمد عبد الباري ونصّهِ العابرِ للزمنِ

ثمةَ أصواتٌ شعريةٌ تولدُ وهي تحملُ عبءَ الذاكرةِ كُلّها، وصوتُ الشاعرِ السودانيِّ محمد عبد الباري هو أحدُ تلكَ الأصواتِ النادرةِ التي استطاعتْ طيَّ المسافاتِ بين رصانةِ التراثِ وحيرةِ الحداثةِ. في قصيدتهِ “أندلسان”، لا يستعيدُ عبد الباري الجغرافيا المفقودةَ فحسب، بل يذهبُ أبعدَ من ذلك ليفتشَ عن “أندلسِ الزمان” التي صارت حطاماً، مقترحاً رثائيةً تقعُ فيها رُوحُ الغريبِ على غريبٍ يماثِلهُ تماماً.

الشاعر — سيرةٌ بين العواصمِ والحبرِ

محمد عبد الباري

شاعرٌ سودانيٌّ فذٌّ، خَبَرَ صخبَ العواصمِ وهدوءَ التأملِ. وُلد في مدينة الرياض وتلقى فيها دراستهُ الثانويةَ والجامعيةَ، محصلاً البكالوريوس من جامعة الأمير سلطان، ثمّ شدَّ الرحالَ نحو عمّان ليحصلَ على درجة الماجستير من الجامعة الأردنية.

لم يمرَّ حضورهُ الأدبيُّ مروراً عابراً، بل توّجتهُ المحافلُ العربيةُ بأرفعِ الجوائزِ؛ ففاز ديوانهُ الأول (مرثية النار الأولى) بجائزة الشارقة للشعر، ونال ديوانهُ الثاني (كأنّك لم..) الصادر في فبراير 2014 جائزة السنوسي الشعرية عام 2016، كما حاز على جائزة الشباب العربي الأفريقي “أفرابيا” في العام ذاتهِ.

تتميزُ تجربةُ عبد الباري بأنها أعادت للقصيدةِ العموديةِ نضارتها، مستخدماً لغةً فلسفيةً وتأمليةً تخاطبُ جيلَ اليومِ بأدواتِ الأمسِ العظيمةِ، وهو ما يتجلى بوضوحٍ في دواوينهِ الثلاثة الأبرز: (مرثية النار الأولى)، (كأنك لم)، و(الأهلّة).

«أندلسان» — حينَ تنغلقُ القصيدةُ على أهلِها

في “أندلسان”، يقدّمُ عبد الباري مشهداً درامياً لـ “الذاهبين” الذين تركوا خلفهم شبابيكَ البيوتِ يتامى. القصيدةُ هنا هي المكانُ والزمانُ معاً؛ هي الملاذُ الذي دخلوه وهي تغلقُ نفسها. يفرقُ الشاعرُ بذكاءٍ فلسفيٍّ بين “أندلسِ المكان” التي قد يزورها المرءُ كصديقٍ قديمٍ، وبين “أندلسِ الزمان” البعيدةِ جِدّاً، والتي لا تُزارُ لأنها تحوّلت إلى ركامٍ من الذكرياتِ.

“صف لي وقوعك في الرثائيات كي.. يقع الغريب على الغريب تماما”

Alhambra Palace details

أندلسانِ

محمد عبد الباري

الذَّاهِبُونَ أَهِلَّةً وَغَمَاماً .. تَرَكُوا شَبَابِيكَ البُيُوتِ يَتَامَى
خَرَجُوا وَلَمْ يَجِدِ الفَرَاغُ خَلَاصَهُ .. أَبَداً وَلَمْ تَلِدِ الجِبَالُ خُزَامَى

خَرَجُوا وَلَا أَسْمَاءَ تَحْرُسُهُمْ وَقَدْ .. كَانَتْ مَلَامِحُهُمْ تَسِيلُ هُلَاماً
لَا يَحْمِلُونَ سِوَى القَلِيلِ مِنَ الَّذِي .. فِي ضَوْئِهِ نَحَتُوا المَجَازَ رُخَاماً

هَا هُمْ وَقَدْ سَقَطَ المَكَانُ وَرَاءَهُمْ .. وَأَمَامَهُمْ وَالوَقْتُ عَنْهُمْ قَامَا
دَخَلُوا القَصِيدَةَ وَهِيَ تُغْلِقُ نَفْسَهَا .. وَتَجَمَّعُوا فِي الذِّكْرِيَاتِ رُكَاماً

فِيمَا شُقُوقُ اللَّيْلِ تَسْأَلُهُمْ مَتَى؟ .. وَلِمَ؟ وَكَيْفَ؟ وَمَنْ؟ وَهَلْ؟ وَعَلَامَا
وَصَلُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ سَابِعَ لَيْلَةٍ .. تَبْكِي وَقَدْ نَصَبُوا الحَنِينَ خِيَاماً

هُمْ صَوْتُنَا الآتِي مِنَ الوَسْوَاسِ إِنْ .. حَاصَرْتَهُ لِتَحُدَّ مِنْهُ تَنَامَى
لَا شَكَّ هَذَا المِلْحُ فِي أَجْسَادِنَا .. مِنْهُمْ وَلَنْ نَعْمَى وَلَنْ نَتَعَامَى

لَا نَسْتَطِيعُ.. المَاءُ يَنْسَى أَنَّهُ .. يَنْسَى وَيَرْفُضُ غُرْبَةً وَمَقَاماً
لَا خَلْفَ لِلأَنْهَارِ لَا تَارِيخَ لَا .. نَسْتَالُجِيَا أَبَداً تَسِيرُ أَمَامَا

هِيَ وَحْدَهَا مَنْ لَمْ تَقِفْ فِي عُمْرِهَا .. لِتَقُولَ لِلطَّلَلِ الأَخِيرِ سَلَاماً
لَكَأَنَّ مُطْلَقَهَا تُجَاهَ مَصَبِّهَا .. جَعَلَ الرُّجُوعَ إِلَى الوَرَاءِ حَرَاماً

يَا أَنْتَ.. أَنْدَلُسُ المَكَانِ قَرِيبَةٌ .. مِقْدَارَ مَا القَوْسُ اسْتَعَادَ سِهَاماً
سَلِّمْ عَلَى المَفْتُوحِ مِنْ أَبْوَابِهَا .. وَادْخُلْ لِتَقْتَرِحَ الكُؤُوسَ نَدَامَى

لَا بَأْسَ دَعْ عَيْنَيْكَ فِي حُزْنَيْهِمَا .. أُمَوِيَّتَانِ وَتَطْلُبَانِ شَآماً
لَا تَخْشَ مِنْ قَشْتَالَةَ فَالآنَ قَدْ .. صَارَتْ أَقَلَّ تَوَجُّساً وَصِدَاماً

قَالَتْ لِظِلِّكَ حِينَ سَلَّمَ نَفْسَهُ .. غِبْ ثُمَّ عُدْ بَعْدَ الغِيَابِ لِمَاماً
هِيَ حِصَّةٌ لَكَ فِي الرُّجُوعِ فَسَمِّهَا .. مِثْلِي “زِيَارَةَ أَصْدِقَاءَ قُدَامَى”

يَا أَنْتَ.. أَنْدَلُسُ الزَّمَانِ بَعِيدَةٌ .. جِدّاً فَكُنْ لِلْيَائِسِينَ إِمَاماً
غَرْنَاطَةٌ مَا لَا يُزَارُ لِأَنَّهَا .. وَقْتٌ وَهَذَا الوَقْتُ صَارَ حُطَاماً

لَا تَنْخَدِعْ بِالضَّوْءِ فَوْقَكَ نَجْمَةٌ .. نَامَتْ وَلَكِنَّ ضَوْؤُهَا مَا نَامَا
إِنَّ المُوَشَّحَ عَادَ عَنْ تَرْتِيبِهِ .. وَالصَّقْرُ فِي الرَّايَاتِ طَارَ حَمَاماً

لَا تَسْأَلِ الأَبْوَابَ عَنْكَ وَقُلْ لَهَا: .. يَا لَوْحَةً لَا تَعْرِفُ الرَّسَّامَا
فِيمَا وَأَنْتَ تَشِيخُ فِي هَذَا الصَّدَى .. وَعَلَى الدُّخَانِ تُعَلِّقُ الأَيَّامَا

صِفْ لِي وُقُوعَكَ فِي الرَّثَائِيَّاتِ كَيْ .. يَقَعَ الغَرِيبُ عَلَى الغَرِيبِ تَمَاماً
orange trees garden near house

▶ استمع إلى القصيدة بصوتِ شاعرِها

قصيدة كتبها الشاعر محمد عبد الباري بعد زيارته للجنوب الإسباني “الأندلس”.

يضعنا محمد عبد الباري في هذا النصِّ أمامَ مرآةِ الفقدِ الصريحةِ؛ فالرجوعُ إلى الوراء “حرامٌ” كما هو حالُ الأنهارِ، والعيونُ التي تطلبُ “شآماً” وهي في قلبِ الأندلسِ إنما تلخّصُ شتاتَ الروحِ العربيةِ التي تحملُ أوطانها جروحاً أينما حلّتْ. نختمُ هذه القراءةَ بدعوةٍ لتأملِ هذا الصوتِ الذي يثبتُ يوماً بعد يومٍ أنَّ الشعرَ هو الحقّيّةُ الوحيدةُ التي لا تشيخُ.

للمزيد حول تجربة الشاعر، يمكنكم زيارة صفحته الشخصية على موقع أدب

ذي يزن | Zy Yazan

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *