فن الصمت بين الزوجين: حين تكون الكلمات زائدة
ضحكت في سري حين رأيت الريلز، وأنكرت أنني أشبه تلك الفتاة. ثم فكّرت. لماذا يختلف الرجال والنساء في أسلوب التواصل؟ وهل الصمت خيانة أم لغة؟
أعترف أنني ضحكت في سري حين أراني زوجي مقطع الريلز..
كانت الفتاة تبرطم لنفسها — كلامٌ داخليٌ بنبرةٍ نعرفها جميعاً — عن سبب تأخر حبيبها في الرد على رسالتها. وخلال أقل من خمس دقائق صنعت منه خائناً يراسل فتيات أخريات، ثم قررت مسبقاً كيف ستواجهه، ثم عاشت المشهد كاملاً في رأسها — وهو لم يرد بعد.
ضحكتُ، وأنكرتُ.. ثم فكّرت.

رسالة البندورة والدرس الذي جاء متأخراً
في السنوات الأولى من زواجي كنت أُرسل رسالةً وأنتظر رداً.. لم يكن يردّ غالباً، بالنسبة لي كان هذا تجاهلاً، أما بالنسبة له لم يكن شيئاً يستوجب التعليق.
اليوم أنا تغيرت، وصرت أفهم طبيعة زوجي وأسلوب التواصل الأفضل بيننا، فصارت رسالةٌ مثل “جيب معك كيلو بندورة كمان” تلي رسالةً أخرى سابقةً لم يرد عليها أصلاً، لكني أعلم أن هذا كافٍ..
هذا التوتر بالذات — الانتظار في مقابل التجاوز، الكلام في مقابل الصمت — درسه علماء اللغة والنفس لعقود. والمثير أنه ليس حكراً على ثقافة بعينها. يحدث في دمشق وفي لندن وفي طوكيو بنفس الشكل تقريباً.
ماذا يقول العلم؟
ديبورا تانّن (Deborah Tannen)، أستاذة اللسانيات الاجتماعية في جامعة جورجتاون، رصدت هذه الظاهرة في كتابها الذي أحدث ضجةً واسعةً عام 1990 تحت عنوان “أنتِ لا تفهمين” (You Just Don’t Understand: Women and Men in Conversation) — ظلّ في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في نيويورك أربع سنواتٍ متواصلةٍ وتُرجم إلى واحد وثلاثين لغة، وفكرتها المركزية: النساء والرجال يتعلمان منذ الطفولة أسلوبَين مختلفَين في الكلام.
النساء يستخدمن ما أسمته “حديث التقارب” (rapport-talk): كلامٌ يبني الصلة، يُظهر الاهتمام، يُقيم جسوراً عاطفية. والرجال يميلون إلى “حديث التقرير” (report-talk): كلامٌ ينقل معلومةً، يُنجز هدفاً، يحلّ مشكلة.
لذا حين ترسل المرأة رسالةً وتنتظر الرد، تقول في الغالب: “أنا هنا، وأنت مهم لي.” وحين يتجاوز الرجل الرسالة ويرسل طلباً آخر أحياناً، لا يقول شيئاً عاطفياً، بل يُنجز الأمر التالي في قائمته.
المشكلة ليست الصمت، بل أن كل طرفٍ يترجم صمت الآخر بمعجمه الخاص.
لكن — لا بد من قولها — الصورة أكثر تعقيداً
نظرية تانّن لم تسلم من النقد، ولا ينبغي أن نأخذها مُسلَّمةً. أستاذة علم اللغة أليس فريد (Alice Freed) انتقدت الكتاب لأنه قد يُثبّت صوراً نمطية، ويُعفي الرجل من المسؤولية عن إخفاقاته التواصلية بتحويلها إلى “طبيعة ذكورية”. وعالمة النفس جانيت هايد (Janet Hyde) في ورقتها البحثية الشهيرة “فرضية تشابه الجنسين” عام 2005 أثبتت أن الفروق بين الذكور والإناث في معظم السمات النفسية — بما فيها أساليب التواصل — أصغر بكثيرٍ مما تروّج له الثقافة الشعبية. (Hyde, 2005 — American Psychologist)
بمعنى: ليس كل رجلٍ يتواصل بصمت، وليس كل امرأةٍ تبحث دائماً عن التقارب. ما تقوله الأبحاث هو أن هذه الأنماط أكثر شيوعاً في سياقاتٍ بعينها — لا أنها حتميةٌ أو بيولوجيةٌ خالصة. كثيرٌ منها يأتي من التنشئة الاجتماعية وما يتعلمه الأطفال في اللعب قبل أن يصيروا بالغين.
وهنا يأتي ما هو أهم من أي نظريةٍ: معرفة شريكك تحديداً.
الصمت كلغة — لمن يعرف كيف يقرأها
الصمت بين الزوجين لا يحمل معنىً واحداً — يتغيّر بحسب من يصمت ولماذا وأمام من. تعلّمت بعد سنوات أن لصمت زوجي مستويات:
- صمت التركيز: لا يردّ لأنه يفكر بعمق — ليس غياباً بل انغماساً.
- صمت الإرهاق: ينظر في الفراغ لأنه لا يعرف من أين يبدأ.
- صمت الرضا: يجلس بجانبي دون كلامٍ لأن الكلام لم يعد ضرورياً للحضور.
هذا التمييز لا يأتي من كتاب — يأتي من الانتباه.
الباحث جون غوتمان (John Gottman)، الذي درس لعقود ما يجعل الأزواج يبقون أو ينفصلون، يتحدث عمّا أسماه “الاستجابة للدعوات العاطفية” (Turning toward bids for connection). حين يُصدر أحد الزوجين إشارةً — ولو صغيرةً كـ “انظر إلى هذا” — وتلتقطها الطرف الآخر، يتراكم رصيدٌ عاطفيٌ لا يُرى لكنه يُشعر به. وحين تُهمَل هذه الإشارات باستمرار، يتآكل الرصيد، ويبدأ الابتعاد. (معهد غوتمان — الاستجابة عوضاً عن الانصراف)

ما تعلّمته — ببطء ودون إعلان
لم أتغيّر فجأة. لكن في لحظةٍ ما قررت أن أفهم بدلاً من أن أُحكم. لم أتخلَّ عن توقعاتي — لكنني فهمت أن “الرد” بالنسبة لزوجي لا يعني بالضرورة ما يعنيه بالنسبة لي.
أصعب جملة في الزواج ليست “أحبك” — بل “أنا أفهم ما تقصد” حين تُقال بصدق. لأن فهم الآخر يعني التخلي لحظياً عن افتراض أنه يُفكّر بنفس طريقتك.
الفتاة في الريلز لم تكن مجنونة — كانت تترجم الصمت بمعجمها. والمشكلة أن معجمَيهما كانا مختلفَين ولم يعلم أحدهما بالآخر.
وأنا — صارت رسالة البندورة تكفيني. ليس لأن طلباتي نقصت، بل لأنني صرت أسمع ما وراءها: الحياة تكمل، وأنت فيها.
راجع أيضاً: مفاهيم السعادة الأسرية عبر اللغات: من هوجا إلى إيكيجاي | طقوس القهوة الصباحية: أكثر من مجرد كافيين في حياة السوريين
المراجع:
- تانّن، ديبورا. (1990). أنتِ لا تفهمين: النساء والرجال في الحوار. دار هاربر كولينز. — الموقع الرسمي للكتاب
- غوتمان، جون، وسيلفر، نان. (1999). قواعد الزواج السبع. دار كراون. — معهد غوتمان: الاستجابة للدعوات العاطفية
- هايد، جانيت. (2005). فرضية تشابه الجنسين. مجلة علم النفس الأمريكي، 60(6)، 581–592. — doi:10.1037/0003-066X.60.6.581
- فريد، أليس. (1992). مراجعة نقدية لكتاب “أنتِ لا تفهمين”. مجلة اللغة في المجتمع، 21(1). (نقد أكاديمي موثوق لحدود نظرية الـ genderlect)








