سقطرى: أرخبيل العجائب اليمني ولغز “عبقر السومري” في كهف حوق
استكشف سقطرى، الجزيرة الأكثر غرابة على وجه الأرض. رحلة بين أشجار دم الأخوين، والتنوع البيولوجي الفريد، ولغز النقوش السومرية القديمة في أعماق كهف حوق.

مملكة الكائنات الفريدة: حيوانات لم ترها عين من قبل
إن العزلة التي فرضتها المسافات الشاسعة عن اليابسة جعلت من سقطرى موطناً لنظام حيواني لا يقل غرابة عن نباتاتها. هنا، لا تحكم الثدييات الكبيرة المشهد، بل تترك الساحة لمخلوقات تطورت في صمت بعيداً عن صخب القارات. يضم الأرخبيل أنواعاً من الطيور التي لا توجد في أي مكان آخر على وجه البسيطة، مثل عصفور سقطرى (Socotra Sparrow)، وتمير سقطرى، والدرسة السقطرية. كما تعد الجزيرة ملجأً لـ “الرخمة المصرية” أو ما يسميه السكان المحليون بـ “المنظف”، نظراً لدورها البيئي الهام، وهي طيور تظهر ألفة مدهشة مع البشر هناك.
أما في عالم الزواحف، فإن سقطرى تعتبر مختبراً حياً؛ إذ أن 90% من الزواحف في الجزيرة هي أنواع متوطنة. من بينها “السقنقور السقطري” وأنواع فريدة من الأبراص والحرباء التي تلونت بألوان البيئة الصخرية والحرشفية للجزيرة. وتحت سطح الماء، لا يقل المشهد إبهاراً، حيث يحتضن الأرخبيل أكثر من 250 نوعاً من المرجان الباني للشعاب، ووجبات ضخمة من الأسماك الملونة التي تجعل من محيط الجزيرة نظاماً لإنتاج الحياة البحرية لا يضاهى.
تمثل سقطرى حلقة الوصل المفقودة في علم الأحياء؛ فكل كائن صغير فيها، من الحشرات التي لا تطير وصولاً إلى السرطانات البرية، يحمل شفرة وراثية لم تتأثر بضجيج الهجرات الكبرى التي شهدتها القارات المحيطة.
الحصن البيولوجي: وقفة في وجه التطور
إن عزلة سقطرى هي أكبر مهندسيها؛ فبانفصالها عن القارة الأفريقية قبل ملايين السنين، تحولت الجزيرة إلى ما يشبه “قدر الضغط” البيولوجي، مما أجبر الحياة على التكيف بطرق لا توجد في أي مكان آخر. أكثر من 30% من نباتاتها “متوطنة”، أي أنها إذا اختفت من سقطرى، اختفت من الوجود تماماً. ومن بين هذه النباتات، تقف شجرة دم الأخوين (Dracaena cinnabari) كحارس أيقوني للجزيرة. بتيجانها التي تشبه المظلات وأغصانها المتشابكة التي تمتد نحو السماء، لا تبدو ككائن نباتي بقدر ما تبدو كعملية حسابية هندسية للبقاء.

أصداء كهف حوق: لغز سومري
بينما تخطف تضاريس سقطرى الأنظار، فإن أعماقها تحفظ ذاكرة الجزيرة. يعد كهف حوق، إلى جانب كهف جنيبة شبهن (الذي يمتد بطول 7.5 كم)، من أهم المواقع الأثرية في المنطقة. حوق هو كاتدرائية من الحجر الجيري، مزينة بالصواعد والهوابط التي نمت دون إزعاج لدهور، لكن قيمته الحقيقية تكمن في البصمات البشرية المتروكة على جدرانه. كشفت بعثة أثرية بلجيكية تعمقت لمسافة 3 كم في الكهف عن كنز من النقوش والقطع الأثرية. أحد أكثر الاكتشافات إثارة للحيرة هي لوحة تعود إلى عام 500 قبل الميلاد، تحمل رسالة من رجل يدعى عبقر السومري، كتب فيها: “أنا عبقر السومري، أرجو ممن وجد هذه اللوحة أن يقرأها ويحفظها في مكانها في الكهف.”
“هذا الطلب البسيط يكشف عن وعي تاريخي مذهل؛ فقبل 2500 عام، أدرك المسافرون قدسية هذا المكان. لم يكن عبقر غازياً، بل كان شاهداً لديه وعي بالمحافظة على مقتنيات المكان قبل آلاف السنين.”

مفترق طرق الملاحين القدامى
إن وجود خط المسند (الأبجدية العربية الجنوبية القديمة) إلى جانب نقوش باللغات السامية والأفريقية داخل كهف حوق، يثبت أن سقطرى لم تكن يوماً “معزولة” عن حركة التجارة البشرية. كانت مركزاً حيوياً لـ “طريق البخور”. كان الملاحون من جميع أنحاء العالم المعروف آنذاك يتوقفون هنا لطلب الحماية من الآلهة أو للمتاجرة بأغلى صادرات سقطرى: اللبان، والمُر، وراتنج دم الأخوين الأسطوري الذي كان يحظى بتقدير هائل في روما ومصر لاستخداماته الطبية والطقسية.
عبء التاريخ البشري
إن فعل تدوين الحضور—سواء عبر نقوش “عبقر” العظيمة أو الرغبة الحديثة في توثيق السفر—يتحدث عن قلق بشري جوهري: هل نحن مجرد عابرين، أم أننا جزء من سردية أكبر؟ بين اعتبار تدوين الذكريات فعلاً تافهاً للبعض، وبين حقيقة التوثيق كجزء من الهم البشري لنقل خبرة الأجداد للأبناء، تاه الناس. تذكرنا سقطرى بأهمية هذا التوثيق؛ فكل حجر، وكل طائر متوطن، وكل خدش بخط المسند هو قطعة من أحجية تشرح قدرة كوكبنا على الصمود.
خاتمة: الحفاظ على ما لا يمكن تعويضه
تقف سقطرى اليوم عند مفترق طرق. وبينما يوفر تصنيفها كموقع للتراث العالمي من قبل اليونسكو بعض الحماية، فإن ضغوط التغير المناخي والاضطرابات الإقليمية تلوح في الأفق. إن زيارة سقطرى أو دراستها تعني قبول المسؤولية في الحفاظ على صمتها وخصوصيتها. تظل سقطرى واحدة من الأماكن القليلة التي يمكنك فيها الوقوف في كهف وقراءة كلمات مسافر سومري، ثم الخروج لتقف تحت شجرة تبدو وكأنها زرعت بيد كائنات من عالم آخر. إنها تذكير بأن العالم لا يزال مليئاً بالعجائب، بشرط أن نمتلك الحكمة—مثل عبقر—لنترك الأشياء “في مكانها”.
جولة بصرية سريعة
يمكنك الاطلاع على اقتراحاتنا في دليل المسافر المنفرد، 3 مقالات:
الخوف الذي يُقيّد والخوف الذي يحمي | دليل المسافر المنفرد
سبع بقاع للقادم وحده | خريطة الوجهات ٢٠٢٦
كلمتان تفتحان قلباً | اللغة الصغيرة للمسافر الكبير
المراجع
- UNESCO World Heritage Centre. “Socotra Archipelago.”
- Strauch, I. (2012). Foreign Sailors on Socotra: The Inscriptions from the Cave Hoq.
- Environment Protection Authority (EPA) – Socotra Branch.

