“Hayawan” — One Word That Reveals How a Civilization Treats Life

حيوان — كلمة واحدة تكشف موقف الحضارة من الحياة

|

حين قفز فيلسوف في نهر لإنقاذ قطة، وحين وقف ممثل أمام العالم ليتحدث عن بقرة — لم يكونا يُظهران ضعفاً. كانا يُثبتان أن إنسانيتهما لم تزل حية. الرحمة بالكائنات الأضعف ليست ترفاً أخلاقياً. هي المقياس الأقدم والأدق لمدى تطور الإنسان

الدفاع عن الكائنات الحية ليس ضعفاً عاطفياً ولا تطرفاً أخضر _ إنه مقياسٌ حضاريٌ قديمٌ يكشف أين وصل الإنسان من إنسانيته.

الرجل الذي قفز في النهر

كان يسير بمحاذاة النهر وحيداً، كما اعتاد، حين سمع ضحكات. اقترب فرأى ما جعل قدميه تتوقفان: جمهورٌ صغيرٌ من الناس والأطفال يتفرج على قطةٍ تغرق في الماء، وربما كانوا هم من قذفوا بها. لم يتوقف الفيلسوف زكي الأرسوزي طويلاً عند المشهد. قفز في النهر وأنقذ تلك الروح الغريقة.

لم يكن الأرسوزي ناشطاً في حقوق الحيوانات، ولم يكن يُعدّ لبيانٍ سياسي. كان فيلسوفاً وأستاذاً يقضي يوماً عادياً في حياةٍ عادية، فكشف في لحظة واحدة ما لا تكشفه سنواتٍ من الخطب والمقالات: أن الإنسانية الحقيقية لا تتوقف عند حدود الجنس.

هذا المقال يبدأ من تلك القطة الغريقة، ولا ينتهي عندها.

حيوان: حين تحمل الكلمة الواحدة فلسفةً كاملة

قبل أي حديثٍ عن الرحمة أو القسوة، تستحق كلمةٌ واحدةٌ وقفةً طويلة.

يقول القرآن الكريم: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان}، والمتأمل في التركيب النحوي لهذه الآية يلاحظ شيئاً لافتاً: “الدار الآخرة” مبتدأٌ مفرد، و”حيوان” خبر — والخبر في العربية يوافق المبتدأ بالإفراد. وهذا يعني أن “حيوان” هنا ليست جمعاً لكلمة “حياة”، بل هي صيغة مبالغة. الحياة في العربية لا جمع لها — لأنها محدودةٌ بالولادة والوفاة، وما لا ينتهي لا يُجمع.

حيوان إذن ليست وصفاً لكائنٍ يمشي على أربع. هي وصفٌ لحياةٍ بلا نهاية، لحياةٍ بلا حدود زمنية. الآية لا تصف مكاناً بل تصف نوعاً من الوجود: وجود لا تطاله الفناء.

وما يُضاف إلى هذا أن اشتقاق الكلمة العربية ذاتها — “حيوان” — يعود إلى جذر “حيي” أي الحياة، وهو الجذر نفسه الذي تنتمي إليه “حواء” و”الحية“. ثلاث كلماتٍ تحمل الجذر ذاته: واهبة الحياة، والكائن الحي، والروح المتدفقة في كل شيءٍ حيّ. اللغة العربية لا تُفرّق بسهولةٍ بين ما يحيا.

وهذا وحده يكفي لإعادة السؤال: إذا كانت اللغة نفسها ترى في الحيوان والإنسان مشتركاً جوهرياً، فلماذا يفصل بينهما الإنسان بكل هذه القسوة؟

الأرسوزي والقطة: حين يكشف الفيلسوف نفسه في لحظة

زكي الأرسوزي لم يكن مجرد صاحب فكر — كان صاحب موقف. الرجل الذي أمضى حياته يبني فلسفة اللسان العربي والهوية القومية، هو نفسه الذي لم يستطع أن يقف على الشاطئ ويتفرج.

في كتابه المؤلفات الكاملة، يكتب الأرسوزي عن الروح الإنسانية باعتبارها كلاً لا يتجزأ. الإنسان الذي يرفع يده على كائنٍ أضعف لا يُثبت قوته — بل يُثبت خللاً في داخله. والإنسان الذي يتحرك لنجدة كائنٍ لا يربطه به عقدٌ اجتماعيٌ ولا منفعة — يكشف أن إنسانيته ليست مشروطة.

تلك القطة الغريقة لم تكن تعرفه. لم يعرفها. لكن الجسد تحرّك قبل أن يُفكّر العقل.

هذه اللحظة نفسها، بعد عقود وعلى الجهة الأخرى من العالم، كانت تنتظر ممثلاً أمريكياً أمام الجمهور الأكبر في حياته.

خطاب الأوسكار الذي فاجأ العالم

عام 2020، صعد خواكين فينيكس — الممثل الأمريكي الحائز على جائزة أفضل ممثلٍ عن دور الجوكر — إلى منصة حفل توزيع جوائز أكاديمية الفيلم الأمريكي، أمام مئات الملايين من المشاهدين حول العالم، ولم يقل ما يقوله الممثلون عادةً.

قال: “أعتقد أننا واجهنا بعضنا في كثير من القضايا. نشعر بحق امتلاكنا لبقر إناث لتلقيحها اصطناعياً، وحين تلد نسرق رضيعها، رغم أن صرخاتها من الألم لا تُخطأ.” سكتت القاعة. لم يكن يتحدث عن دوره أو عن الفيلم. كان يتحدث عن طريقة تعامل البشر مع الكائنات الحية الأضعف — وهو يقف في أكثر اللحظات علنيةً في حياته.

أصبح خواكين فينيكس نباتياً منذ سن الثالثة، حين رأى من نافذة سيارة عائلته صيادَين يسحبان سمكتَين من الماء. لم يشرح أحدٌ لطفل بعمره ما الذي يراه. لكنه رأى، وما رآه لم يتركه.

الأرسوزي قفز في نهر. وفينيكس وقف أمام العالم وقال الحقيقة. طريقتان مختلفتان، والروح ذاتها.

الجامعة والكلب: حين تكشف المؤسسة ما تُخفيه الخطب

لا يكفي الحديث عن الفلاسفة والممثلين. الحقيقة الأمر تبدأ في الأماكن العادية — في الجامعات وفي المستشفيات وفي الشوارع.

في جامعة حمص “البعث” السورية، تسلّل كلبٌ شاردٌ إلى غرفةٍ في الطابق الثالث. رآه أحد المستخدمين فأمسك به ورمى به من النافذة. طالب طبٍ بشريٍ — يُفترض أنه يدرس الإنسانية — شاهد ولم يتحرك. طالبٌ آخر أسرع لإسعاف الكلب، لكن الطبيب البيطري أعلن أن الحالة ميئوس منها، فأعطاه إبرة منوم لينام ولا يستيقظ. قصةٌ صغيرةٌ في مؤسسةٍ أكاديميةٍ كبيرة. لكنها تحمل كل شيء: من يرمي، من يتفرج، ومن يحاول أن يُنقذ ما تبقى.

في عام 2024، تسرّبت من كلية الطب البيطري في جامعة القاهرة مقاطع صوّرها طلابٌ وعمالٌ تُظهر كلاباً شاردةً تُجمع وتُحبس وتُجرى عليها جراحاتٍ متكررةٍ دون تخديرٍ كافٍ. أبلغ الطلاب أنفسهم عن صدمةٍ نفسيةٍ مما شاهدوه. تدخلت منظمةٌ دوليةٌ لحقوق الحيوان وطالبت بفتح تحقيق. طبيبٌ بيطري يُعذّب الحيوان — عكس ما قامت لأجله المهنة تماماً!

المؤسسة لا تضمن الإنسانية. والشهادة لا تصنع الضمير.

أفلاطون كان يعرف ذلك منذ البداية

في الكتاب الثالث من “جمهوريته”، يضع أفلاطون شرطاً غريباً لمن يريد تربية محاربين حقيقيين: عليه أن يعلّمهم الموسيقى والشعر إلى جانب القتال، ليس ترفاً، ليس تزييناً للحياة العسكرية.. بل لأن المحارب الذي لا يعرف الجمال سيتحول إلى أداة. وأداة القتل بلا روح لا تُفرّق بين عدوٍ وبريءٍ — ولا بين إنسانٍ وحيوان.

المحارب الحقيقي في تصوّر أفلاطون هو من يعرف متى يُقاتل ومتى يتوقف، ومتى يقتل ومتى يرحم. وهذا التمييز لا يأتي من التدريب العسكري وحده — يأتي من تربية الروح. والروح التي لا تتألم لألم كائن آخر — أيّ كائن — هي روحٌ فقدت جزءاً من قدرتها على التمييز.

الفكرة المقابلة: حين يكون القتل ضرورة

هنا يجب أن نتوقف ونكون صادقين.

الحديث عن رعاية الحيوانات لا يعني إنكار حقيقةٍ بيولوجيةٍ قديمة: الحياة تقتضي أحياناً أخذ حياةٍ أخرى. الإنسان يأكل الحيوان منذ فجر وجوده. هذا ليس جريمةً — هو جزءٌ من دائرة الحياة التي لا يقف خارجها أحد. لكن ثمة مسافةٌ شاسعةٌ بين الضرورة والاستمتاع. وبين الأخذ الواعي المؤلم والتعذيب اللامبالي.

في عام 2017 صدر فيلم “بالجسد والروح” للمخرجة الهنغارية إلديكو إنيادي، وفاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين. ويدور في مكانٍ لا يتوقعه أحد: مسلخ أبقار. مدير المسلخ ومفتشة الجودة — رجلٌ وامرأةٌ يعملان يومياً في تدفق الذبح — يكتشفان أنهما يتشاركان الحلم ذاته كل ليلة. يلتقيان فيه كأيّل وظبية حرّين في غابةٍ ثلجية.

الفيلم لا يدين المسلخ ولا يُمجّده. يفعل ما هو أصعب: يضع جنباً إلى جنبٍ ضرورة الموت وجمال الحياة، ويسأل: هل يمكن لمن يأخذ حياةٍ يومياً أن يحتفظ بروحه؟ والجواب الذي يقترحه الفيلم: نعم — بشرط أن يبقى واعياً للثمن.

الذبح الرحيم ليس تناقضاً في المصطلح. هو موقفٌ فلسفيٌ يقول: أنا أفعل ما تقتضيه الحياة، لكنني لا أنسى أنني أفعله.

حين يتحول الخير إلى هاوية

لكن الفيلسوف يستطيع أن يرى خطأً في الاتجاه المعاكس أيضاً.

منذ سنوات كانت جانا سامسونوفا مؤثرةً روسية تنشر مقاطع عن أسلوب حياةٍ نباتيٍ متطرف — تعتمد فيه على الفاكهة النيئة وبذور عباد الشمس حصراً، وادّعت أنها تعيش دون ماءٍ لأن الفاكهة تكفيها. بنًت حضوراً رقمياً واسعاً ومتابعين يؤمنون “برسالتها”. وفي عام 2023 ماتت عن تسعة وثلاثين عاماً. قال المقربون منها إن جسدها كان قد وصل إلى درجة نحولٍ شبيهةٍ بطفلةٍ في الثانية عشرة. لم يُؤكَّد السبب الطبي رسمياً، لكن من تابعوا حياتها أدركوا ما أدركوه.

لا ذنب في السعي نحو حياة أقل أذىً. لكن حين يتحول المبدأ إلى تطرفٍ يُنكر الحاجات الجسدية الأساسية، يكف عن كونه رحمةَ ويصبح عقاباً للذات.

الحياة لا تُحترم بإنكار متطلباتها. تُحترم بالتعامل معها بوعي وتوازن.

المؤنث كمصدر الحياة والمعرفة

ثمة خيطٌ يربط كل هذا بشيءٍ أعمق. في الأسطورة العربية القديمة — التي تحمل اسمَي حواء والحية من الجذر ذاته — حواء هي واهبة الحياة، والحية هي المُرشدة، وهي التي دلّت على طريق المعرفة. ثلاثة جذور من معين واحد: الحياة والكائن الحي والمعرفة — كلها مؤنثة في بنيتها اللغوية والرمزية.

وفي علم الأعصاب المعاصر، يُشير الباحثون إلى أن نصفَي الدماغ في تفاعلٍ دائم: النصف الأيسر المرتبط تقليدياً بالمنطق والسرعة والحكم الفوري، والنصف الأيمن المرتبط بالتجربة الكلية والتعاطف ورؤية الصورة الأشمل. لا الإنسان ذكرٌ خالصٌ ولا أنثى خالصة في داخله — هو كائنٌ يحمل القطبين ويتحدد بمقدار ما يتيح لهما الحوار.

الثقافة التي تُمجّد الذكورة المطلقة وتُقصي جانبها الآخر — هي ثقافة تُقطع شريان الوعي بالآخر. ومن لا يعي ألم كائنٍ آخر، لن يعي ألم إنسانٍ آخر. الأمر واحد. والأرسوزي الذي قفز في النهر — أي جانبٍ منه تحرك في تلك اللحظة؟

دائرة الحياة: من الجماد إلى الإنسان

آخر ما يجب أن يقوله هذا المقال يتجاوز الأخلاق إلى الحقيقة البيولوجية البحتة.

الحياة على هذا الكوكب ليست طوابق مستقلة — هي دوائرٌ متداخلة. الجماد يُغذي التربة، التربة تُنبت النبات، النبات يُطعم الحشرة والحيوان، والحيوان يُعيد للأرض ما أخذه. الإنسان ليس خارج هذه الدائرة — هو حلقةٌ فيها. وحين تختفي حلقة، تتشوّه الدائرة كلها.

الانقراض لا يُهدد فقط الكائن المنقرض. يُهدد ما يأكُله ذلك الكائن وما يأكِله. البشرية ليست في قمة هرمٍ منعزلٍ — هي في قلب شبكةٍ لا تعيش بمعزل عنها.

الدفاع عن الحيوانات إذن ليس عاطفةً رقيقةً تُضعف الإنسان. هو فهمٌ علميٌ لطبيعة الوجود. وهو مقياسٌ أخلاقيٌ لمدى تطور الإنسان — لأن من يعامل الأضعف برحمة تدفعه الوعي لا الضعف، يعلن أن إنسانيته لم تزل حية.

خاتمة: بين النهر وخطاب الجائزة

الأرسوزي لم يُفكّر طويلاً، قفز. ولأنه قفز، نجت قطة — وأثبت فيلسوف أن الفلسفة ليست كلاماً في الكتب.

وفينيكس وقف أمام العالم وقال ما لا يُقال في تلك اللحظات. لم ينتظر مؤتمراً أو ندوة. استخدم أكبر منصة أُعطيت له ليُذكّر الناس بكائن لا يتكلم ولا يشكو.

بينهما قرن من الزمن وقارتان وثقافتان مختلفتان. والنتيجة واحدة: حين تُوسَّع دائرة الرحمة لتشمل كائناً لا يربطك به عقد اجتماعي، تثبت أن وعيك بالحياة قد تجاوز حدود مصلحتك الذاتية.

أما التوازن — فهو ليس منتصف الطريق بين الرحمة والقسوة. هو وعيٌ بالضرورة واستعدادٌ للألم حين تقتضيه. أن تأخذ حياة حين تتطلب الحياة ذلك، لكن مع إدراك كامل لما تفعله وثقل ما تفعله.

هذا ما لا تعلّمه ثقافة العنف اللاواعي — التي تقتل لأن القتل ممتع، أو لأن الضعيف أمامك ولا رادع.

وهذا ما تعلّمه — بطرق مختلفة — قطةٌ غريقة في نهر سوري قديم.

مرجع المصطلحات والأعلام

زكي الأرسوزي: فيلسوف سوري من لواء الإسكندرون، يُعدّ من أبرز المفكرين القوميين العرب في القرن العشرين. المؤلفات الكاملة، الهيئة العامة السورية للكتاب.

(Zaki al-Arsuzi — Complete Works)

خواكين فينيكس: ممثل أمريكي، حائز على جائزة أكاديمية الفيلم الأمريكي لعام 2020 عن دور الجوكر، معروف بنشاطه الواسع في الدفاع عن حقوق الحيوان.

(Joaquin Phoenix — Academy Awards 2020)

فيلم بالجسد والروح: إنتاج هنغاري 2017، إخراج إلديكو إنيادي، الفائز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي. يدور الفيلم في مسلخ أبقار ويستكشف التناقض بين ضرورة الموت وجمال الحياة.

(On Body and Soul — Ildikó Enyedi, Berlinale Golden Bear 2017)

جانا سامسونوفا: مؤثرة روسية توفيت عام 2023 عن تسعة وثلاثين عاماً، كانت تروّج لنظام غذائي نباتي متطرف يعتمد على الفاكهة النيئة حصراً. لم يُؤكَّد السبب الطبي الرسمي.

(Zhanna Samsonova — raw fruitarian influencer)

أفلاطون الجمهورية: الفيلسوف اليوناني، الكتاب الثالث من “الجمهورية”، المعني بتربية الحرّاس وضرورة الجمع بين تعليم الموسيقى والقتال.

(Plato — The Republic, Book III)

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *