Short Story | Staring

قصة قصيرة | التحديق

|

في حافلة دمشقية مكتظة، مقعد فارغ بانتظاره، وطفل لا يعرفه. بينهما شيء يشبه ما كان بينه وبين جده أمام غروب الشمس — التحديق الذي لا يحتاج إلى تفسير.

أقف وحيداً في موقف الحافلة عند “شارع الثورة” التي تقلني بعد خروجي من العمل إلى “باب شرقي”، وهو أمرٌ غير معتادٍ في الساعة الثالثة ظهراً وسط دمشق، موعد انصراف الموظفين واستراحة الغداء للعمال..

عند قدوم الحافلة أجد مقعداً واحداً فارغاً! شيءٌ غريبٌ أيضاً، فأنا معتادٌ أن لا أجد مكاناً جيداً أضع فيه قدمي داخل الحافلة.. لم أُضع الكثير من الوقت للاستغراق في التعجب، وصعدتُ واتخذتُ المقعد الفارغ مستراحاً، وتنفستُ الصعداء.

المقعد الذي كان بانتظاري يتموضع في الصف اليساري المفرد، وفي المقعد الذي أمامه كانت تجلس سيدةٌ متوسطة العمر تحمل ابنها الصغير الذي لا يتجاوز عمره الثالثة. وكما كان الموقف والمقعد متفردي الحال كذلك كان الطفل، فلقد كان مبهوراً إزاء كل ما تشف عن مرآه النافذة الكبيرة الواسعة، كأنما هذه هي مرّته الأولى التي يستقل فيها حافلةً ما، بل كأنه أول مرةٍ يغادر فيها منزل ذويه. كان يحدق عبر النافذة بسرورٍ بالغٍ، وبإمكانك قبالة منظره أن تستشعر روحه ترقص بين ضلوعه بجزلٍ. وجهه الجميل وثيابه الصوفية اليدوية المزركشة الألوان وطاقيته التي تخفي قسماً كبيراً من شعره، جعلوني أتأمله لفترةٍ ما، حتى تدافعتْ الأفكار وشردتُ فيها، دون أن أشيح نظري عنه.

كذلك، في المقاعد المستوية جانبياً قرب الباب الأمامي تجلس فتاتان جامعتيان. مما أذكره حينما صعدتُ، أنهما كانتا مشغولتين بحديثٍ يبدو أنه لن ينقضي قبل نزولهما، أو نزول المسيح المخلص؛ لكن قد تكون إحداهما قد شغلها انشغالي بالطفل وشرودي به، فسرحتْ هي بي أيضاً، دون أن انتبه أنا لذلك تماماً.

حينما توفي والديّ كنتُ ما أزال مراهقاً، لذا أخذني أحد أعمامي لأسكن في منزله في قريتنا الجبلية البعيدة عن المدينة. بسببٍ من مشاكلي المستمرة مع زوجة عمي، جرى نقلي مرةً أخرى لأسكن في منزل جدي، الذي كان حينها عجوزاً مسناً أنهكته الأمراض العديدة المتنوعة، مما لم يتح له فرصةً بأن يعترض على أيّ شيءٍ أفعله.

أعتقد الآن، بأنه لو علم بكل ما كنت أفعله لما أبدى رفضاً، فقد استشعرت من هدوئه وطول تأملاته وشروده أنه ربما كان يشعر بالندم على الطريقة التي أمضى حياته بها متفانياً في العمل لتأمين مستقبلٍ لائقٍ لجميع أولاده، وكان قد حرّم على نفسه الزواج بعد ترمله منذ فترةٍ بعيدةٍ للغاية. كان يستيقظ صباحاً ليشاركني وجبة الفطور قبل مغادرتي إلى المدرسة، ويعود إلى سريره باقياً فيه حتى تعتدل الشمس غرباً. يخرج إلى شرفة الدار المطلة على وادٍ ممتدٍ باتجاه الغرب، ويجلس ناظراً إلى الشمس أثناء غروبها وبدء انكسار ضوئها.

كنت أجلس أحياناً قريباً منه وأنظر إليه محدقاً هكذا، لأجده جالساً لساعة أو اثنتين دون أن يزيح نظره، ولولا أنه فقد معظم بصره لنهرته على ذلك”.. أعتقد أن جدي هو من علمني هذه العادة، والتي قد يعتبرها البعض قلة ذوقٍ وأدب، وخصوصاً إن كان من تطيل التحديق فيه هو فتاةٌ مثلاً!

اليوم، أجد نفسي عاجزاً عن التبرير والشرح، فإيجاز قصة جدي الذي كنت أحدق به منتظراً له كي يشيح بنظره عن الشمس، هي مهمةٌ صعبةٌ وغير ممكنةٍ بسطورٍ معدودةٍ.

شيءٌ ما جعل ذلك الطفل الذي أمامي يصعد بقدميه فوق حضن أمه ليصبح وجهه قبالتي، وبادلني التحديق مباشرةً، مما أعادني من شرودي وجعلني ابتسم للطفل. كان سروره القديم الذي طالعته أول صعودي قد زاد وبدأ يلاعبني بإخفاء رأسه بكتف أمه ومعاودة النظر إليّ. ضحكتُ، وضحكتْ الصبية الجامعية التي كانت سارحةً في منظرنا بسبب ضحكي، ولفتَ ضحكها انتباهي إلى تحديقها فيّ.

عاود الطفل عبثه اللاهي معي، وبدأتُ أبادله اللعب بآداء حركاتٍ في وجهي ومددتُ له لساني. وضع يده على فمه ليخبرني بأن هذا عيب، لكنه تجرأ فيما بعد ومد لسانه أيضاً، بل ووضع إحدى يديه الصغيرتين على أنفه ساخراً مني بشكلٍ طفوليٍ لطيف.

أخيراً، التفتتْ أمه إلى الخلف ونظرتْ فيّ لوهلةٍ، ابتسمتْ وعاودتْ الاعتدال تاركةً إيانا أنا وطفلها نلعب.

من الأشياء الطبيعية الجميلة النادرة التي ما يزال مسموحاً بها في بلادنا هو التحديق في الأطفال، واللعب معهم.. لذا حمدتُ الله على تحديقي بطفلٍ وليس بفتاةٍ، كما أسلفتُ.

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *