مفاهيم السعادة الأسرية عبر اللغات: من هوجا إلى إيكيجاي
هل تصنع اللغة شعورنا بالسعادة؟ رحلة بين “هوجا” الدنماركية و”إيكيجاي” اليابانية لاكتشاف ما لا تقوله العربية بكلمة واحدة — لكنها تحياه يومياً.
حين سألتُ ابنتي ذات الثلاث سنوات: “كيف تكونين سعيدة؟” نظرت إليّ بجدية تامة وقالت: “لما تكوني معي.”
لم أجد رداً أجمل من ذلك في أي كتاب فلسفة.
السعادة مفهوم ضخم، لكن اللغات حوّلته إلى كلمات صغيرة مضغوطة، كل منها يحمل عالماً. وحين تفتقر لغتنا إلى كلمة بعينها، لا يعني ذلك أننا نفتقر إلى الشعور — بل قد يعني أن الشعور لديّنا أوسع من أن يسعه مقطع واحد.
هوجا — Hygge: الدفء الذي يجمع
إذا كانت هناك كلمة واحدة اخترقت حدود لغتها وصارت ظاهرة عالمية في السنوات الأخيرة، فهي الكلمة الدنماركية “هوجا” (Hygge، تُنطق: هو-غا). وهي تعني — بالتقريب — ذلك الشعور الدافئ الذي يغمرك حين تجلس مع من تحب في مكان مريح، بعيداً عن ضجيج العالم.
الهوجا ليست كلمة للسعادة بمعناها الاحتفالي — بل للسكينة المشتركة. شمعة مضاءة، كوب شاي دافئ، جلسة هادئة مع الأسرة في مساء ممطر. الدنماركيون يرون فيها سبباً رئيسياً لكونهم في مقدمة أسعد الشعوب سنوياً.
وحين قرأت هذا لأول مرة، فكرت: أليس هذا ما كنا نسميه في بيتنا “السمر”؟ تلك الجلسة الليلية بعد العشاء حين يجلس الكل معاً — دون برنامج أو أجندة — فقط لأن الوقت مشترك والمكان واحد.
الهوجا ليست تقليداً دنماركياً بالضرورة. إنها حاجة إنسانية أصيلة — نمارسها في بيوتنا منذ أجيال، لكننا لم نُسمّها.
إيكيجاي — Ikigai: سبب الاستيقاظ صباحاً
في اليابان، يوجد مفهوم اسمه “إيكيجاي” (Ikigai، 生き甲斐) — وهو بالتقريب “سبب الوجود” أو “ما يجعل الحياة تستحق”. وهو يقع في تقاطع أربعة أشياء: ما تحبه، ما تُجيده، ما يحتاجه العالم، وما يمكن أن تكسب منه رزقاً.
الجميل في مفهوم الإيكيجاي أنه لا يفصل بين الذات والعائلة والمجتمع. في الثقافة اليابانية، قد يكون إيكيجاي الشخص هو تربية أطفاله ببساطة — أو إطعام من يحب — أو ممارسة حرفة يتقنها. لا يشترط أن يكون هدفاً بطولياً.
وهذا التعريف يُذكّرني بما أسمعه أحياناً من أمهات عربيات يشعرن بأن السعادة “مُرجأة: مؤجلة، قيد الانتظار” — كأن الحياة الحقيقية ستبدأ بعد أن يكبر الأطفال، أو بعد أن تستقر الأمور. بينما الإيكيجاي يقول: هي هنا، الآن، في هذا الذي تفعلينه.
مفاهيم أخرى تستحق الاقتراض
لا تنتهي الكلمات الجميلة عند هذين المفهومين:
| الكلمة | اللغة | المعنى التقريبي |
|---|---|---|
| Lagom | السويدية | الاعتدال التام — لا أكثر ولا أقل، الكمية المثلى في كل شيء |
| Gemütlichkeit | الألمانية | الانتماء الدافئ للمكان والناس — شعور الراحة الاجتماعية العميقة |
| Sobremesa | الإسبانية | الوقت الذي تقضيه مع عائلتك جالساً بعد الطعام — بلا أهداف، فقط حضور |
| Ubuntu | زولو / إفريقيا جنوب الصحراء | “أنا موجود لأن نحن موجودون” — الهوية المبنية على الجماعة |
| Meraki | اليونانية | وضع روحك في ما تصنعه — العمل بحب وانتماء كامل |
وماذا عن العربية؟
لا تملك العربية كلمةً واحدة تعادل “هوجا” — لكنها تملك ما هو أثرى: شبكةً كاملة من المفاهيم المتشابكة. “الأنس”، “الدفء”، “السمر”، “الرضا”، “الطمأنينة” — كلٌّ منها يضيء جانباً مختلفاً من الحالة الإنسانية ذاتها.
واللافت أن كلمة “الطمأنينة” — التي تحمل في جذرها معنى الاستقرار والسكون — تقترب ربما أكثر من أي مفهوم غربي للسعادة الحقيقية. فهي ليست فرحاً عابراً، بل حالة استقرار راسخة في الداخل.
وحين نُعلّم أطفالنا لغتين أو أكثر، نمنحهم في الحقيقة أكثر من لغتين — نمنحهم طرقاً متعددة للشعور وتسمية ذلك الشعور. (راجع مقالتنا: لماذا نبكي ونصلّي ونحبّ بلغتنا الأم)
ما يمكننا أن نتعلمه ونطبّقه في بيتنا
لا أقترح أن نستورد كلماتٍ أجنبيةٍ ونلصقها على حياتنا. لكن ما تكشفه هذه المفاهيم هو أن الأسر السعيدة في كل مكانٍ تشترك في شيءٍ جوهري: الحضور المشترك المتعمّد.
الهوجا تقول: خصص وقتاً لا يهدف إلى إنجاز شيء.
الإيكيجاي يقول: ابحث عن المعنى في الأمر اليومي الصغير.
السوبريميسا تقول: لا تقم من على الطاولة فور الانتهاء من الأكل.
الأوبونتو يقول: وجودك مرتبط بوجود من حولك.
وهذه كلها، بطريقةٍ ما، موجودةٌ في التراث الأسري العربي — في عادة الجلسة المشتركة، وفي قهوة الصباح، وفي العشاء العائلي، وفي ضيافة الضيف التي لا تُحسب. (راجع مقالتنا: طقوس القهوة الصباحية: أكثر من مجرد كافيين في حياة السوريين)
ربما لا نحتاج إلى استيراد السعادة — بل إلى رؤية ما نمتلكه منها أصلاً، وتسميته، والمحافظة عليه بوعي.
تمرين صغير لهذا الأسبوع
اختر مفهوماً واحداً من هذه القائمة وطبّقه يوماً كاملاً: اجلس مع أسرتك بعد العشاء دون هواتف لعشرين دقيقة فقط (سوبريميسا). أو ابحث عن ذلك الشيء الصغير الذي تفعله بحبٍ كل يومٍ وأدرك أنه إيكيجاي بمعناه الحقيقي.
وأخبرنا: أيّ كلمةٍ من هذه القائمة شعرت أنها تصف شيئاً في حياتك دائماً، لكنك لم تعرف كيف تسمّيه؟
راجع أيضاً: ٥ خرافات عن تربية الأطفال ثنائيي اللغة — وما تقوله الأبحاث حقاً
المراجع:
- Wiking, M. (2016). The Little Book of Hygge. William Morrow.
- García, H., & Miralles, F. (2016). Ikigai: The Japanese Secret to a Long and Happy Life. Penguin Books.
- World Happiness Report 2024 — worldhappiness.report


