ظاهرة بوك توك: كيف أعاد تيك توك إحياء الكتب الكلاسيكية؟
هل أنقذت ظاهرة بوك توك القراءة أم حولت الكتب لسلعة؟ استكشف سيكولوجية الخوارزميات وتأثيرها على الأدب الكلاسيكي وقصص نجاح ملهمة في عصر المدينة الرقمية.
لحظة المكاشفة: عندما سقط “دوستويفسكي” من يدي
أتذكر جيداً تلك الليلة قبل عامين، حينما كنت أتصفح هاتفي بعفويةٍ، فظهرت لي شابةٌ في مقتبل العمر تبكي بحرقةٍ، ممسكةً بنسخةٍ مهترئة الغلاف من رواية الأبله لدوستويفسكي. لم تكن تحلل الصراع بين الروح والمادة، بل كانت تصف كيف “حطمها” الأمير ميتشكن، بطل الرواية عاطفياً. في تلك اللحظة، شعرت بصدامٍ حضاريٍ داخلي؛ أنا الذي قضيت سنوات مراهقتي في قراءة روائع الأدب العالمي وأتبعتها بالكثير من الكتب الفلسفية، الآن أرى الآن أحد أعظم نتاجٍ بشريٍ يُختزل في “تريند” عاطفي. لكنني أدركت لاحقاً أنني كنت مخطئةً في تعاليّ هذا؛ فهذه الفتاة أعادت “الأنسنة” لنصٍ كاد أن يتحول إلى تمثالٍ حجريٍ في المكتبات، فمن لديه الجلادة الآن في عصر السرعة على قراءة روايةٍ طويلة كمثل روايات دوستويفسكي، لقد جعلت تلك الفتاة لروايةٍ عميقةٍ في التحليل النفسي لشخصياتها، الفرصة لتكون متاحةً لجيلٍ يرى العالم من خلال عدسة المشاعر أولاً.
ما هو “بوك توك”؟ تشريح القوة الاقتصادية
ظاهرة “بوك توك” هي مجتمعٌ فرعيٌ داخل منصة تيك توك، حيث يستخدم القراء الوسم (#BookTok) لمشاركة توصيات الكتب، وتحديات القراءة، وجماليات المكتبات المنزلية. وفقاً لتقارير The New York Times، ساهمت هذه المنصة في بيع ملايين النسخ الورقية، وهو أمرٌ كان يُعتقد أنه في طريقه للزوال في عصر الكتاب الإلكتروني.
سيكولوجية “جمهورية الخوارزميات”: من يحكم ذائقتنا؟
هنا يجب أن نتوقف قليلاً لنسأل: هل نحن من يختار ما يقرأ، أم أن هناك يداً خفية توجهنا؟ كما ناقشنا سابقاً في مقالنا “جمهورية الخوارزميات: من يحكم المدينة الرقمية”، فإن الخوارزمية لا ترشح لك الكتاب الأفضل أدبياً، بل الكتاب الذي يثير أكبر قدرٍ من التفاعل العاطفي. إن “جمهورية الخوارزميات” قد خلقت ما يمكن تسميته بـ “ديكتاتورية التريند”. فالقارئ الشاب اليوم يجد نفسه محاصراً بنفس القائمة من الكتب التي تظهر للجميع، مما يخلق “غرف صدى” أدبيةٍ، حيث يقرأ الجميع نفس النصوص، ويفكرون بنفس الطريقة.
الحسنات: بعث الموتى وقصص النجاح العابرة للحدود
رغم مخاوفنا، لا يمكن إنكار الفضل. لقد أعاد “بوك توك” الحياة لأعمالٍ كلاسيكيةٍ كانت تعاني من غبار الرفوف. خذوا مثالاً قصة الكاتبة مادلين ميلر، التي صدرت روايتها The Song of Achilles في 2011 وظلت هادئةً لعقدٍ من الزمان، حتى انفجرت مبيعاتها فجأة في 2021 بفضل فيديو “تيك توك” واحد.
ومن القصص الواقعية التي تلمس القلب، قصة الكاتب “لويد ديفيريو ريتشاردز”. قضى هذا الرجل 14 عاماً في كتابة روايته، ولم يبع منها إلا نسخاً معدودة، حتى قامت ابنته بنشر فيديو بسيط حقق ملايين المشاهدات. يمكنك متابعة هذه الرحلة الملهمة عبر حسابهم @stonemaidens.
السيئات: عندما يصبح الأدب “إكسسواراً” و”استهلاكاً”
على الضفة الأخرى، نحن نتوجس خيفةً من “تسليع الثقافة”. في “بوك توك”، غالباً ما يتم تقييم الكتاب بناءً على معاييرٍ سطحية:
- مشكلة الغلاف: يتم الترويج لطبعاتٍ معينةٍ لأن ألوانها تتناسب مع ديكور الغرفة، مما يحول الكتاب إلى قطعة ديكور.
- Pornography of Emotion: التركيز المبالغ فيه على قدرة الكتاب على إثارة “البكاء” أو “الصدمة”.
- الاستهلاك السريع: ظاهرة “Haul videos” التي تشجع على ثقافة الاستهلاك المفرط للكتب دون قراءتها فعلياً.
التحليل الفلسفي: هل نحن أمام انحطاط أم تطور؟
نحن نؤمن أن كل عصرٍ يحمل أدواته لتعريف الحقيقة وتداول المعرفة. فلسفياً، يمكننا استحضار مفهوم “هالة العمل الفني” لوالتر بنيامين؛ ففي عصر إعادة الإنتاج التقني، يفقد العمل الفني “هالته” المقدسة ليصبح متاحاً للجماهير. “بوك توك” فعل ذلك بالضبط؛ نزع القداسة عن الكلاسيكيات “المخيفة” وجعلها مشاعاً إنسانياً. وأيضاً في المقلب الآخر خارج وسائل التواصل فإن اقتصاد الجوائز قدم سهل وصول رواياتٍ تجارية وحجب الكثير من الأعمال العظيمة لعدم ملائمتها سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، كما أوضحنا في مقالتنا: اقتصاد الجوائز وتوجيه السرد.
الختام: نحو “توطين” التجربة الرقمية
نحن لا ندعو لمقاطعة “بوك توك”، بل ندعو لوعيٍ نقديٍ أثناء استخدامه. إن منصتنا، التي تقف على جسر بين لغتين وثقافتين، ترى في هذه الظاهرة فرصةً ذهبيةً للمحتوى الجيد والعربي. عزيزي القارئ، التحدي الحقيقي ليس في الخوارزمية، بل في قدرتنا نحن على الحفاظ على دهشة القراءة الحقيقية وسط ضجيج الإشعارات.

