literary award prize ceremony books trophy culture

اقتصاد الجوائز وتوجيه السرد

| |

تحليل نقدي لاقتصاد الجوائز الأدبية العربية — كيف تُشكّل البوكر ما يُكتَب، ومن يُكافَأ ومن يُهمَّش، وما الفارق بين الجائزة كضوء وكإطار حاجب.

في عام ٢٠٠٧م أعلنت مؤسسة «البوكر» البريطانية بالتعاون مع مبادرةٍ ثقافيةٍ إماراتيةٍ عن جائزةٍ جديدةٍ للرواية العربية. كان الإعلان مُبشِّراً: ترجمات، انتشار، اعتراف دولي. وبعد سبعة عشر عاماً يمكننا أن نسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلت هذه الجائزة بالرواية العربية، لا بمبيعاتها فحسب، بل بما يُكتَب فيها أصلاً؟

في هذا المقال — الثامن من سلسلة خارطة الرواية العربية — لا نُقاضي الجائزة. نحاول فهم «اقتصاد الجوائز» بوصفه نظاماً يُشكّل الإنتاج الأدبي بطرقٍ لا يُدركها الكاتب دائماً، ولا يُصرَّح بها في بيانات اللجان.

writer desk notebook thinking creative prize pressure

أولاً: الجائزة كنظام — ليست مجرد مكافأة

الجائزة الأدبية في تصوّرها البسيط هي مكافأة للإنجاز، تعترف بعملٍ جيدٍ وتُوصّل القراء إليه. هذا صحيحٌ جزئياً، لكن الجائزة الكبرى تفعل شيئاً أعمق: تُعرِّف ما هو «الجيد» في لحظةٍ بعينها، وتُلقي بظلّ هذا التعريف على كل ما سيُكتَب لاحقاً.

حين تفوز روايةٌ بجائزةٍ كبرى، يحدث شيئان في وقتٍ واحد: القراء يهرعون إليها، والكتّاب يلاحظون ما الذي فاز. وهذه الملاحظة — حتى حين تكون غير واعيةٍ — تبدأ تُشكّل القرارات الإبداعية. ما الموضوع الذي يستحق الاستثمار؟ أي صوتٍ سرديٍ يبدو «ناضجاً»؟ ما درجة الجرأة المقبولة؟

في السياق العربي، البوكر العربية فعلت هذا بوضوحٍ شديد. خلقت ما يمكن تسميته «النمط البوكري»: روايةٌ تتناول قضيةً اجتماعيةً أو سياسيةً حساسة، مكتوبةٌ بلغةٍ محكمةٍ غير مُعقّدة تُيسّر الترجمة، بشخصياتٍ تحمل موضوعاً «إنسانياً عالمياً» يُسهِّل استيعابها غربياً. هذا ليس حكماً مجانياً، بل وصف لنمطٍ يمكن استخلاصه من قراءة قوائم الجائزة القصيرة على مدى سبعة عشر عاماً.

النمط البوكري ليس خطأً بالضرورة، فكثيرٌ من الروايات التي وافقته كانت أعمالاً جيدة. المشكلة تبدأ حين يصبح النمط مُلزِماً ضمنياً لمن يريد الوصول.

ثانياً: من فاز ومن لم يفز — قراءة في الغيابات

الحكم على جائزةٍ لا يكون فقط بما فازت به، بل أيضاً بما لم يفز. أيّ الروايات وصلت القوائم القصيرة، وأيّ التيارات الأدبية المهمة غابت؟

الفائزون بالبوكر العربية على مدى سنواتها يجمع كثيرين منهم قاسمٌ مشترك: الموضوع الاجتماعي القابل للتسويق. «عزازيل» ليوسف زيدان — جدلٌ لاهوتيٌ تاريخي. «ساق البامبو» لسعود السنعوسي — هويةٌ وانتماءٌ في الخليج. «موزاييك» لتيسير خلف… «سيدات القمر» لجوخة الحارثي — المجتمع العُماني عبر الأجيال. «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي — حروب العراق بالغرائبية. «قناع بلون السماء» لباسم خندقجي — الأسير الفلسطيني والهوية، كلها أعمالٌ جادة. لكن لاحظ الغيابات: أين التجريب اللغوي الخالص؟ أين الرواية الفلسفية التأملية؟ أين السرد المغربي الفرانكوفوني الأقرب إلى الفرنسية في روحه؟

«مدن الملح» لعبد الرحمن منيف — ربما أضخم مشروعٍ روائيٍ عربيٍ في القرن العشرين — لو صدرت اليوم فمن المشكوك فيه أن تصل للقوائم القصيرة للبوكر. هي طويلةٌ جداً (خمسة أجزاء)، ومركّبةٌ جداً، ولا تُقدّم «موضوعاً إنسانياً» قابلاً للاختزال في ملخّص وكالة أنباء. وهذا بالضبط ما يجعلها عظيمةً، وما يجعلها صعبة الاستيعاب في منظومة الجوائز الحديثة.

ثالثاً: الترجمة كمعيار مُضمَر

ثمة معيارٌ غير مُعلَنٍ يُشكّل اختيارات الجوائز العربية الكبرى: قابلية الترجمة إلى الإنكليزية. روايةٌ تُصَفها لجنة تحكيمها بأنها «قابلة للترجمة» يعني في الواقع أن لغتها لا تعتمد على لعب صوتيٍ لا ينتقل، ومرجعياتها الثقافية لا تحتاج هوامش شرحٍ كثيفة، وموضوعها يحمل «إنسانيةٍ عالمية» لا يلزم أن تكون عربياً لتستوعبها.

هذا المعيار — الذي لا تُقرّ به لجان التحكيم دائماً — هو في جوهره تطبيقٌ لما وصفه إدوارد سعيد في مرآة الاستشراق: الصورة التي يريدها الغرب من الأدب العربي تُملي ما يُترجَم، وما يُترجَم يُملي ما يُكافَأ، وما يُكافَأ يُملي ما يُكتَب. الحلقة مغلقة، لكنها تعمل ببطءٍ شديدٍ لدرجة أن المنتج لا يُدرك كيف انتهى إلى هذا المكان.

المقارنة مع الغرب مُضيئة: جائزة نوبل للآداب تُعطى أحياناً لكتّابٍ يصعب تصوّر ترجمةٍ كاملةٍ وأمينةٍ لأعمالهم مثل الشاعر الفيلبيني خوسيه ريزال، وأكثر من ذلك. وجائزة المان بوكر البريطانية نفسها تعرّضت للنقد لأنها تفضّل الروايات الأسهل قراءةً. منظومة الجوائز الأدبية الكبرى في كل حضارةٍ تحمل هذا التوتر بين التميّز والوصول.

translation books publishing rights international market literary

رابعاً: الكتابة نحو الجائزة — حين يُصبح الإبداع مسابقة

هل يكتب الروائيون العرب «نحو البوكر»؟ السؤال مُحرجٌ لكنه مشروع.

لا توجد وثيقةٌ بالطبع تُثبت أن كاتباً جلس وقال «سأكتب رواية تفوز بالبوكر». لكن التشكيل يحدث بطرقٍ أقل وضوحاً: الناشر يُشجّع نوعاً بعينه من الكتابة لأنه يعرف ما تُقدّره لجان التحكيم. المحرر يقترح تعديلات تجعل الرواية «أكثر وصولاً». الكاتب يُقرّر أن روايته عن الحرب أو الاستبداد أكثر «نضجاً» من روايته الشخصية الأقل موضوعاتية. كل هذه قراراتٌ صغيرةٌ تتراكم.

ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً هو أن بعض الروايات التي كُتبت «بحرية كاملة» — دون حساب الجوائز — فازت بالبوكر لاحقاً. «مديح الكراهية» لخالد خليفة لم تُكتب لجائزة — وإن لم تفز بها فقد وصلت قائمتها القصيرة. «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي كذلك. المعيار النقدي الجاد والمعيار البوكري يتقاطعان أحياناً — وهذا يجعل الجائزة مشروعةً جزئياً وإشكاليةً جزئياً في آنٍ واحد.

خامساً: جوائز عالمية ورواية عربية — أثر نوبل

نجيب محفوظ فاز بنوبل عام ١٩٨٨م — ولم يكن أحدٌ في الغرب قد قرأ «الثلاثية» قبل الإعلان. الجائزة لم تُقرّر جودة محفوظ — لكنها قرّرت متى يُكتشَف. وهذا الاكتشاف المتأخر بعشرات السنين يكشف شيئاً أساسياً: الجوائز لا تُنتج العبقرية، لكنها تُوزّع الضوء.

nobel prize literature stockholm ceremony books authors
Nobel Prize distribution ceremony

بعد نوبل محفوظ، توقّع كثيرون أن يليه فوز عربيٌ آخر قريباً. لم يحدث، وهذا يطرح سؤالاً: هل غياب الفوز العربي بنوبل منذ ١٩٨٨م يعكس غياب المستوى، أم يعكس طبيعة الجائزة نفسها وهيمنة الأدب الأوروبي والأمريكاني عليها تاريخياً؟

الجواب الأمين: كلاهما معاً. الأدب العربي ينتج نماذجاً استثنائيةً لا تصل لاستوكهولم جزئياً لأسبابٍ لغويةٍ وترجميةٍ وجزئياً لأسبابٍ سياسية. لكن الأدب العربي أيضاً لا يُنتج بالكثافة والتراكم النقدي الذي تنتجه الأدبيات الأوروبية، وهذا قصورٌ حقيقيٌ يستحق الإقرار.

سادساً: ما لا تفعله الجائزة — المساحات الغائبة

أضرار منظومة الجوائز في الفضاء الأدبي العربي تتجلى ليس فيما تُعطيه، بل فيما تتجاهله:

التجريب اللغوي: الرواية التي تُجرّب في بنية الجملة وتتحدى معجم القارئ نادراً ما تصل لقوائم الجوائز الكبرى. «الريش» لسليم بركات — رواية بلغةٍ سرياليةٍ مكثّفةٍ لا مثيل لها — تُدرَس في الجامعات لكنها لم تُحدث الأثر الجماهيري الذي تستحقه لغياب الحاضنة المؤسسية.

الرواية القصيرة: الجوائز الكبرى تميل للأعمال ذات الحجم المناسب للتصنيف بوصفها «ملحمة» أو «أثر». الرواية القصيرة المكثّفة — التي يعدّها كثيرٌ من النقاد الشكل الأكثر تطلّباً من الأشكال السردية — مهمّشةٌ في منظومة الجوائز العربية.

المناطق الجغرافية المهمّشة: الرواية الخليجية، واليمنية، والسودانية — هذه الروايات تحتاج إلى ترسيخٍ نقديٍ جادٍ قبل أن تصل للجوائز الكبرى. غيابها من القوائم القصيرة يُكرّر نفسه لأسبابٍ دورية: لا ترجمات، لا حضور في المشهد النقدي العربي الرئيسي، لا دور نشرٍ كبرى تتبنّاها.

literary award prize ceremony books trophy culture

سابعاً: بديل ممكن — نحو ثقافة نقدية مستقلة

النقد الحقيقي لمنظومة الجوائز لا يُفيد إذا لم يُفضِ إلى سؤالٍ بنّاء: ما البديل؟

الجواب ليس «إلغاء الجوائز» — هذا ليس واقعياً ولا مطلوباً. الجواب في بناء ثقافةٍ نقديةٍ مستقلةٍ عن دوائر الجوائز: مجلاتٌ نقديةٌ متخصصةٌ تقرأ ما لم يصل للقوائم القصيرة. مؤسسات ترجمةٍ تختار بمعاييرٍ أدبيةٍ لا تسويقية. برامجٌ جامعيةٌ تُدرّس التجريب بجانب الأعمال الجماهيرية. وقراءٌ أفرادٌ يبنون قراءتهم على توصياتٍ نقديةٍ لا على لوائح الجوائز.

الجوائز ستبقى، ودورها في الانتشار حقيقي ولا يُنكر. لكن الصحة الثقافية لأي أدبٍ تُقاس بوجود حياةٍ نقديةٍ غنيةٍ خارج منظومة الجوائز. الأدب الذي يُقاس قيمه فقط بالفوز يشبه الفلسفة التي تُقاس بعدد مؤلفات صاحبها، فالكمّ والمكافأة ليسا المعيار، والمعيار الأصيل هو ما يُضيفه النص للفهم الإنساني.

الجائزة في أفضل أحوالها هي ضوءٌ يُكشف به ما كان مخفياً. في أسوأ أحوالها هي إطارٌ يُحدد ما يستحق أن يُرى أصلاً. الفارق بين الحالتين يقرّره لا القائمون على الجائزة — بل القرّاء والنقاد الذين يقررون ما إذا كانوا سيقرأون فقط ما فاز، أم كل ما يستحق القراءة.


المقال الأخير من السلسلة: الخاتمة: الحطام وآفاق النجاة — أين تقف الرواية العربية اليوم، وما الذي تحتاجه لتستعيد وعدها.

المراجع والمصادر

  1. جائزة البوكر العربية للرواية، arabicfiction.org
  2. روجر ألن، The Arabic Literary Heritage، مطبعة جامعة كمبريدج، ١٩٩٨.
  3. جيمس إنغلش، The Economy of Prestige: Prizes, Awards, and the Circulation of Cultural Value، هارفارد، ٢٠٠٥.
  4. إتيان بالاش، Le Prix Littéraire comme Outil de Légitimation، ليون، ٢٠٠٩.
  5. (راجع مقالتنا: فخ السوق والأدب التجاري)
  6. (راجع مقالتنا: مرآة الاستشراق وإدوارد سعيد)
  7. (راجع مقالتنا: دليل الـ 100 روائي العربي)

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *