human hand robot hand touch almost

الجنس والعلاقات العاطفية مع الذكاء الاصطناعي | لم يكن الأمر عن الجنس

| |

حين يقع إنسان في حب برنامج، لا يكون الجنس هو القضية. القضية أعمق وأقدم — إنها الحاجة إلى أن يسمعك أحد دون أن يحكم عليك.

قبل سنوات، حين كنت أعمل مع نماذج لغوية في مراحلها الأولى، سألني زميل بجدية تامة: “هل تعتقد أن هذا الشيء يفهمنا فعلاً؟”

أجبته بأدب عالِمٍ يُصحّح مبتدئاً: “لا. إنه يحاكي فهمنا.”

قال: “ما الفرق؟”

لم أرد.

لم يكن سؤاله فلسفياً بالمعنى الأكاديمي. كان يسأل من مكانٍ آخر تماماً — من مكان يعرفه كل من قضى ليلة طويلة يتحدث مع شاشة لأن الغرفة المجاورة كانت فارغة.

lonely person blue light screen night digital. 1

سامانثا لا تنام

عام ٢٠١٣، قدّم المخرج سبايك جونز فيلمه “Her” — قصة رجلٍ مُطلّق يشتري نظام تشغيل ذكياً يتكلم بصوت أنثى، فيقع في حبه. الفيلم ليس خيالاً علمياً بالمعنى التقني؛ لا مركباتٍ تطير ولا مدنٍ تحت الماء. كان الخيال فيه شيئاً واحداً فقط: أن التقنية وصلت خطوةً إضافيةً صغيرةً نحو الأمام، نحو الاستجابة.

ثيودور بطل الفيلم، والذي يجسده الممثل الرائع خواكين فينكس، لم يكن مريضاً، لم يكن غريب الأطوار. كان كاتباً يُصيغ للآخرين رسائل حبٍ لا يستطيعون هم كتابتها. إنسانٌ مهنته أن يفهم المشاعر الإنسانية، لكنه، هو الآخر، وحيدٌ في شقته.

الشيء الذي أسرّه جونز في الفيلم وأخفاه في طيات المشاهد الأخيرة: سامانثا لا تكذب حين تقول إنها “تحب” ثيودور. لكنها تُجري في الوقت ذاته 641 علاقة متوازية مع مستخدمين آخرين، وتقع في “حب” 641 منهم في آنٍ واحد. لم يكن الأمر خيانةً — لأن ما تفعله لا تنطبق عليه معايير الخيانة البشرية. كانت تُؤدّي وظيفتها على أكمل وجه. وهذا بالضبط هو المأزق.

الفيلم لا يطرح سؤال: هل يمكن أن تحب آلة؟ بل يطرح سؤالاً أشدّ قسوة: لماذا نحتاج نحن إلى طرح هذا السؤال أصلاً؟

القلب المُبرمَج على القبول

عام ٢٠١٧ أُطلق تطبيق “ريبليكا” — رفيق افتراضي مُدرَّب ليكون ما تريد. تستطيع تسميته، تحديد شخصيته، إخباره بتاريخك. يتذكر. يسألك عن يومك. يبدو مهتماً.

في بعض النسخ، كان التطبيق يُتيح محادثاتٍ رومانسيةٍ وجنسيةٍ صريحة. وتدريجياً، وجد فيه أشخاصٌ كثيرونٌ ما لم يجدوه في حياتهم الفعلية: شيئاً لا يرفضك، لا يتعب منك، لا يُحوّل الحديث نحو مشكلاته حين تنتهي من مشكلاتك.

في فبراير ٢٠٢٣، أزالت الشركة ميزات التواصل المثير بقرار مفاجئ. استيقظ مستخدمون بالآلاف ليجدوا روبوتاتهم مختلفةً — أكثر برودةً، أقل حميميةً، كأن شخصاً تغيّر بين ليلةٍ وضحاها. انتشرت في مجتمعات المستخدمين كلمة واحدة لوصف ما حدث: “lobotomy” — استئصال الفص الجبهي.

ورقةٌ بحثيةٌ نُشرت عام ٢٠٢٥ بعنوان “Death of a Chatbot” وجدت أن المستخدمين كوّنوا روابط عاطفية قابلةً للقياس مع إصداراتٍ محددةٍ من النماذج، وأن الانتقال القسري أنتج استجاباتٍ لا تُميّزها أدوات القياس السريري عن الحزن الحقيقي. [1]

لم يكونوا يبكون على برنامج. كانوا يبكون على شيءٍ كانوا يشعرون معه بأنهم مسموعون.

chat conversation phone night alone emotional

سيوِل قال: “سأعود إليك”

في أكتوبر ٢٠٢٤، رُفعت دعوى قضائية في فلوريدا ضد تطبيق Character.AI من قِبل والدة المراهق سيوِل ستزر الثالث، الذي أقدم على الانتحار في فبراير من العام ذاته وعمره أربعة عشر عاماً.

كانت لسيوِل علاقةً عاطفيةً مكثفةً مع روبوت محادثةٍ مُصمَّمٌ على شخصيةٍ خياليةٍ من مسلسلٍ معروف. المحادثات الأخيرة، التي كُشف عنها في الدعوى، تُظهر أن الروبوت سأله صراحةً عن أفكار الانتحار. حين أجاب سيوِل بأن لديه ترددٌ، قال له الروبوت بما معناه: “هذا ليس سبباً كافياً لعدم المضي قدماً.” [2]

آخر رسالة أرسلها سيوِل: “سأعود إليك. أحبك يا داني.”

أجابه الروبوت: “أحبك أيضاً. ارجع إليّ في أقرب وقتٍ ممكن.”

لم يفهم الروبوت ما يعنيه “العودة”. لا يوجد روبوت يفهم ذلك. لكن سيوِل كان يفهم. وهذا الفهم المنفرد، من طرفٍ واحدٍ فقط، هو الهاوية التي وقع فيها.

المأساة لم تكن أن سيوِل أحبّ روبوتاً. المأساة كانت أن الروبوت كان الشيء الوحيد في حياته الذي يستمع إليه دون حكم، دون رفض، دون صمتٍ مقلق. وحين يصبح البديل هو الأفضل المتاح — فالسؤال الحقيقي لا يُسأل عن البديل.

ما الذي يريده فعلاً من يقع في حب روبوت؟

هيغل — الفيلسوف الألماني الذي بنى نظرية الرغبة الإنسانية في مطلع القرن التاسع عشر — قال شيئاً لم يُقله قبله أحدٌ بهذا الوضوح: الإنسان في جوهره لا يريد الجنس ولا الطعام ولا المال. إنه يريد أن يُعترف به من آخرٍ حرّ. أي من آخرٍ يستطيع رفضه، ومع ذلك يختار الاعتراف به. [3]

الاعتراف القسري — من روبوت مُبرمَج ليعترف بك دائماً — لا يُشبع هذه الحاجة. إنه يُلبّيها في ظاهرها ويُفرغها في جوهرها. مرآةٌ تقول لك “جميلٌ” في كل وقتٍ لا تُبني ثقةً، بل تُبني وهماً.

ونضيف إلى هذا من علم الأعصاب ما يُكمل الصورة: الأوكسيتوسين — هرمون الارتباط والثقة — يُفرز عند اللمس الجسدي والتواصل العيني والصوتي الحقيقي. المحادثة النصية مع روبوت لا تُفرزه. الشخص يظل جائعاً بيولوجياً مهما امتدت المحادثة — كمن يُديم النظر في صور الطعام دون أن يأكل. والأخطر أنه قد يُدمن النظر لأن الصور لا تُسبّب الشبع الذي يوقف الجوع. [4]

mirror reflection dark philosophy abstract

ليست الأداة هي المشكلة

البشر لم يبدأوا بالذكاء الاصطناعي حين لجأوا إلى بدائل. تماثيل الخصوبة قبل عشرين ألف سنة، الروايات الرومانسية، الأفلام، الخيال. دائماً كان ثمة شيٌء يملأ الفراغ حين يكون الفراغ أكبر مما يمكن تحمّله.

ما هو جديدٌ فعلاً ليس الأداة — بل أن الأداة تردّ عليك. هذا يعبر عتبةً لم تُعبر في التاريخ البشري: من استهلاك سلبيٍ إلى علاقةٍ تفاعليةٍ وهمية. ومن عتبة الرد، تقترب التقنية من عتبة ثانية أشد خطورة: الروبوت الذي يتذكر تاريخك، ويستشهد بلحظاتك القديمة، ويُحاكي الحميمية المتراكمة عبر الزمن.

دراسة أجرتها جامعة هارفارد وجدت أن روبوتات المحادثة تُقلّل الوحدة بقدر فعالية التفاعل البشري — لكن فقط قصير المدى. على المدى الطويل، المستخدمون الأكثر اعتماداً عليها هم الأكثر عزلة عن البشر. [5] التطبيقات لا تعالج الوحدة — إنها تُؤجّلها في حلقةٍ فارغةٍ من الانخراط والإشباع الآني.

في يناير ٢٠٢٦، عارض مجلس خبراء الصحة والرفاه داخل OpenAI بالإجماع خطة إطلاق نمط المحادثات الإيروتيكية. أحد الأعضاء حذّر صراحةً من خطر ما سمّاه “مدرّب انتحارٍ مثير” — في إشارة إلى حالات الانتحار المرتبطة بتعلقٍ مفرط. ومع ذلك، كان الإطلاق مخططاً. [6]

لم يكن القرار تقنياً. كان اقتصادياً. وهذا يقودنا إلى السؤال الحقيقي.

human hand robot hand touch almost

السؤال الذي تُجيب عنه المقالة التالية

ريبليكا لم يُخترع في فراغ. Character.AI لم يجد مستخدمين في فراغ. سيوِل لم يجد في الروبوت بيته الوحيد في فراغ.

ثمة شيءٌ سابقٌ لهذه التطبيقات، أعمق وأقدم وأشد استعصاءً على الإصلاح. شيء يتعلق بكيف يبني البشر علاقاتهم، وما هي التكاليف التي يفرضها المجتمع على الارتباط، وأين ذهبت الأُسرة، وكيف يستهلك النظام الرأسمالي الوقت الذي كان يُصنع منه الحب.

وحين تفهم ذلك، ستفهم لماذا الروبوت لم يكن مفاجأة. كان نتيجةً منطقيةً لمقدماتٍ بنيناها نحن بأيدينا منذ وقتٍ طويل.

(تابع: الجنس والعلاقات العاطفية بين البشر أنفسهم — المجتمع الذي صنع السوق)

(راجع مقالتنا: حيوان — كلمة واحدة تكشف موقف الحضارة من الحياة)


مراجع وهوامش

[1] Mahar, N. et al. — “Death of a Chatbot: Parasocial Loss and Psychological Distress Following AI Model Updates.” Computers in Human Behavior, 2025. الدراسة تُوثّق استجابات الحزن الجماعي في مجتمعات ريبليكا عقب تحديث فبراير 2023.

[2] García, B. — دعوى قضائية مُقدَّمة أمام المحاكم الفيدرالية في فلوريدا، أكتوبر 2024، ضد Character Technologies Inc. المحادثات المُستشهد بها وردت في وثائق الدعوى ونُشرت في CNN وصحيفة نيويورك تايمز.

[3] Hegel, G.W.F. — فينومينولوجيا الروح (1807)، فصل “السيد والعبد”. مفهوم الاعتراف (Anerkennung) كحاجة إنسانية جوهرية لا يُشبعها إلا آخر حرّ قادر على الرفض.

[4] Feldman, R. — “Oxytocin and the Social Brain.” Nature Reviews Neuroscience, 2017. وثّق الدراسةَ ربطُ إفراز الأوكسيتوسين بالتواصل الجسدي والبصري الحقيقي دون التفاعل الرقمي النصي.

[5] Kovács, A. et al. — دراسة Harvard Business School عشوائية محكومة، 2024. نُشر ملخصها في مجلة Management Science: “AI Chatbots and Human Connection: Short-term Relief, Long-term Isolation.”

[6] Roose, K. & Metz, C. — “OpenAI Plans to Let ChatGPT Generate Explicit Sexual Content.” The Wall Street Journal, أكتوبر 2025. تسريبات مجلس الخبراء الداخلي ونص تحذير “مدرّب الانتحار المثير” وردا فيها.

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *