إندونيسيا 1965 | مجزرة لم تُحاكَم ونظام لم يتغيّر
من وحي فيلمي أوبنهايمر، نروي كيف تحوّلت مجزرة سياسية في إندونيسيا عام 1965 إلى ذاكرة مسكوت عنها، ونظام لم يتغيّر رغم سقوط سوهارتو.
مخرج الفيلم، جوشوا أوبنهايمر، الأمريكي المولد والمقيم في الدنمارك، أمضى سنوات طويلة في إندونيسيا، وحاول في بداية مشروعه التواصل مع ضحايا مأساة قديمة، لكن السلطات وقفت حائلاً بينه وبينهم. عندئذ نصحه بعض الضحايا أنفسهم بأمر غريب: أن يصوّر القتلة لا الضحايا. فوجد أوبنهايمر أمامه رجالاً مسنين يتفاخرون بجرائمهم أمام الكاميرا دون أدنى خجل أو تردد، فقرر استخدام حيلة “إعادة التمثيل السينمائي”، تاركاً لهم حرية اختيار الطراز الذي يريدون: الغربي، الموسيقي، حتى الميلودراما، ليعيدوا تمثيل ما ارتكبوه بأيديهم. من خلال هذه اللعبة الخطرة، كشف الفيلم عن دوافع القتلة وعن طبيعة جريمة دولة متكاملة الأركان، لا جريمة أفراد هامشيين.
لاحقًا أتبع أوبنهايمر فيلمه الأول بعمل مكمّل بعنوان “نظرة الصمت” (٢٠١٤)، ينظر هذه المرة من زاوية أسر الضحايا، ومن خلال أحد الناجين الذي يواجه، بهدوءٍ مربك، قتلة شقيقه وجهاً لوجه.
استغرق إنجاز الفيلم الأول وحده نحو ثماني سنوات من التصوير والمخاطرة الشخصية، إذ اضطر جزءٌ كبيرٌ من الطاقم الإندونيسي، بمن فيهم أحد المخرجين المشاركين، إلى العمل تحت أسماء مستعارةٍ أو دون ظهور أسمائهم إطلاقاً في شارة الفيلم، خوفاً من انتقام لا يزال ممكناً حتى بعد نصف قرن من الجريمة. أشرف على إنتاجه اسمان كبيران في عالم السينما الوثائقية، هما فيرنر هرتزوغ وإيرول موريس، ورُشِّح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي، قبل أن يليه “نظرة الصمت” بترشيح مماثل. هذا الاحتفاء العالمي بفيلمين يتحدثان عن جريمةً لا يعرف عنها معظم سكان الكوكب شيئاً، هو بحد ذاته مفارقةٌ تستحق التوقف عندها قبل الدخول في تفاصيل الحدث نفسه.
لكن ما الذي شاهدناه فعلاً حين تفرّجنا على هذين الفيلمين؟ وما هي المجزرة التي يتحدثان عنها، والتي لا يعرف عنها القارئ العالمي شيئاً يُذكر، رغم أنها تُصنَّف بين أكثر المجازر السياسية دمويةً في القرن العشرين؟
ثمة إجابةٌ جزئيةٌ عن سؤال الغياب هذا يمكن اقتراحها منذ الآن: فبينما كانت عدسات العالم مشدودة، في منتصف الستينيات، إلى حرب فيتنام المشتعلة على الحدود الشرقية للمنطقة نفسها، مرّت مجزرة إندونيسيا شبه صامتةٍ في الإعلام الدولي، ربما لأن ضحاياها لم يُقتَلوا برصاص جيشٍ أجنبيٍ غازٍ بل بأيدي جيرانهم وأبناء بلدهم، وربما لأن النظام الذي أعقب المجزرة فرض على مواطنيه عقوداً من الصمت القسري منع خلالها أيّ توثيقٍ أو سردٍ علنيٍ للحدث. لم يكسر هذا الصمت فعلياً، على المستوى العالمي، سوى كاميرا أوبنهايمر بعد نصف قرنٍ كامل، حين قرر أن يمنح الجلادين أنفسهم فرصة الكلام، فكشف بذلك عن جريمةٍ ظلت، لعقود، حبيسة ذاكرةٍ محليةٍ لم يُسمح لها بالخروج.

خلفيةٌ لا بد منها: سوكارنو وبيضة القبان
لفهم ما جرى، لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً. كانت إندونيسيا، تحت رئاسة أحمد سوكارنو، تجربةً سياسيةً فريدةً حاول فيها الرئيس الجمع بين ثلاث قوىً متنافرةٍ ضمن مشروعٍ واحدٍ أسماه “الناساكوم”: القومية، والدين، والشيوعية. لم يكن هذا الجمع ترفاً فكرياً، بل ضرورةٌ لبقاء دولةٍ فتيةٍ تتوزعها آلاف الجزر وعشرات القوميات والأديان.
في قلب هذه المعادلة، كان الحزب الشيوعي الإندونيسي قوةٌ لا يُستهان بها؛ إذ بلغ عدد أعضائه نحو ثلاثة ملايين عضو، ليصبح بذلك ثالث أكبر حزبٍ شيوعيٍ في العالم بعد نظيريه في الصين والاتحاد السوفياتي. هذا الثقل جعل من إندونيسيا بيضة قبانٍ حساسةٍ في حربٍ باردةٍ عالمية؛ إذ راقبت واشنطن بقلق تصاعد نفوذ الحزب، بينما وجدت موسكو وبكين في سوكارنو حليفاً محتملاً ضمن معسكر “عدم الانحياز” الذي كان هو نفسه من أبرز مهندسيه.
فقد استضاف سوكارنو، قبل عقدٍ كاملٍ من أحداثنا هذه، مؤتمر باندونغ عام 1955، الذي أرسى مع قادةٍ آسيويين وأفارقةٍ آخرين أسس حركة عدم الانحياز، رافضاً الانصياع الكامل لأيّ من معسكري الحرب الباردة. غير أن هذا التوازن الدقيق بدأ يميل تدريجياً نحو اليسار في النصف الأول من الستينيات، مع تصاعد خطاب سوكارنو المعادي للإمبريالية، وانخراط بلاده في مواجهةٍ عسكريةٍ محدودةٍ مع ماليزيا الوليدة، عدّها يوماً مؤامرةً بريطانيةً لإطالة أمد النفوذ الاستعماري في جنوب شرق آسيا. هذا التوتر مع لندن تحديداً سيكون له، كما سنرى لاحقاً، أثرٌ غير مباشرٍ لكنه موثّقٌ فيما تلا من أحداث.
الشرارة: ليلة الثلاثين من سبتمبر
في ليلة الثلاثين من سبتمبر وفجر الأول من أكتوبر عام 1965، اختطفت مجموعةٌ من الضباط، أطلقت على نفسها اسم “حركة الثلاثين من سبتمبر”، ستةً من كبار جنرالات الجيش وقتلتهم، بينما نجا جنرال سابع بأعجوبةٍ قافزاً فوق سور منزله، ودفع مساعده وابنته الصغيرة ثمن هذا النجاة. أعلنت الحركة أنها تسعى لإحباط انقلابٍ عسكريٍ كان يُدبَّر ضد الرئيس سوكارنو من قِبل “مجلس جنرالات” موالٍ للغرب، وألقت بجثث الجنرالات في بئرٍ مهجورةٍ جنوب جاكرتا عُرفت لاحقاً باسم “حفرة التمساح”، وتحوّلت مع الوقت إلى نصبٍ تذكاريٍ رسميٍ يُدرَّس في كل مدرسةٍ إندونيسيةٍ بوصفه رمزاً للخيانة الشيوعية. لكن الجنرال سوهارتو، قائد الاحتياط الاستراتيجي، الذي لم يكن على قائمة المستهدفين، تحرك بسرعةٍ لافتة، واستعاد السيطرة خلال ساعاتٍ معدودة، ثم وجّه أصابع الاتهام مباشرة إلى الحزب الشيوعي الإندونيسي بوصفه العقل المدبر للحركة.
ولا تزال هذه اللحظة، حتى يومنا هذا، مثقلةً بأكثر من روايةٍ متنافسة. فربما كانت الحركة فعلاً ذراعاً تنفيذية لقيادة الحزب الشيوعي، كما تقول الرواية الرسمية التي بُنيت عليها شرعية سوهارتو لاثنين وثلاثين عامًا. وربما كانت، كما يرجّح مؤرخون آخرون، شأناً داخلياً بحتاً ضمن الجيش نفسه، تمرّداً من ضباطٍ شبانٍ ساخطين على “مجلس الجنرالات” ونمط حياته، استغله سوهارتو وحلفاؤه لتصفية منافسيهم داخل المؤسسة العسكرية قبل أن يُلقى اللوم كله على الشيوعيين. الحقيقة الوحيدة التي لا خلاف عليها أن الحركة، أيًا كانت طبيعتها، تحوّلت خلال أيامٍ قليلةٍ إلى ذريعةٍ لعملية إبادةٍ منظمةٍ لم تكن هي من دبّرتها.
هنا بدأ الفصل الأكثر قتامة. فبين أواخر عام1965 ومطلع العام الذي تلاه، اجتاحت موجة قتلٍ منظمةٍ جزر جاوة وسومطرة وبالي، حصدت ما تتراوح تقديراته بين نصف مليون ومليون روح، بينما زُجّ بمئات الآلاف الآخرين في معتقلاتٍ دامت سنواتٍ طويلةٍ دون محاكمةٍ تُذكر.
ما يستحق التأمل في طبيعة هذه المواجهات أنها لم تكن، في جوهرها، صراعاً بين معسكرين متمايزين دينياً أو عرقياً، بل كانت في كثير من الأحيان اقتتالاً داخل الجماعة الواحدة: مسلمون يقتلون مسلمين اتُّهموا بالشيوعية، وهندوس في بالي يقتلون هندوساً من جيرانهم. وفي خضم هذا الرعب، وجد كثيرون أنفسهم مضطرين لاعتناق دينٍ معترفٍ به رسمياً، هرباً من وصمة “الإلحاد” التي كانت كافيةً وحدها لتصنيف صاحبها شيوعياً مستحق القتل. دفع هذا الإكراه أعداداً كبيرةً نحو المسيحية، بينما اضطر هندوس بالي إلى تنظيم عقيدتهم رسمياً كي تُقبل ضمن الأديان المعترف بها، حمايةً لأنفسهم من تهمةٍ لم يكونوا يحملونها أصلاً.
ولم يكن الجيش وحده منفّذاً لهذه الحملة؛ فهي لو تأملتها مهمةٌ قذرةٌ تحتاج تدريباً وتكويناً نفسياً لعناصرها ولا يمكن لأي مؤسسةٍ اعتياديةٍ تنفيذها حتى لو كانت عسكرية، لذا فقد شاركت فيها ميليشياتٍ مدنيةٍ مسلّحة، أبرزها الجناح الشبابي لأكبر منظمةٍ إسلاميةٍ في البلاد، إلى جانب منظماتٍ إسلاميةٍ أخرى، ومنظمة “شبيبة بانتشاسيلا” القومية، في عمليات تمشيطٍ وتصفيةٍ قريةً بقرية. وإلى جانب القتلى، اعتُقل نحو مليون شخصٍ دون محاكمة، وأُرسل عشرات الآلاف منهم إلى معسكر عملٍ قسريٍ في جزيرة بورو النائية، حيث أمضى بعضهم أكثر من عشر سنوات في تطهير الأدغال وزراعتها، قبل أن يُطلق سراح معظمهم في أواخر السبعينيات تحت ضغطٍ دوليٍ متصاعد. من بين هؤلاء المعتقلين كان الروائي برامويديا أنانتا توير، أحد أعمدة الأدب الإندونيسي الحديث، الذي لم يُدَن بأيّ تهمة، لكنه أمضى في المنفى الداخلي والاعتقال ما يقارب أربعة عشر عاماً من حياته.
لسنا هنا بصدد وصف حدث إندونيسيٍ معزولٍ عن سياقه العالمي. فالمنطق نفسه، منطق استخدام “الخطر الشيوعي” ذريعةً لتصفياتٍ داخليةٍ واسعةٍ بدعم غربيٍ ضمنيٍ أو معلن، تكرر في تشيلي بعد انقلاب الجنرال بينوشيه عام 1973، وفي الأرجنتين خلال ما عُرف بـ”الحرب القذرة”. وكما في تلك التجارب، وجدت واشنطن في القمع الإندونيسي حليفاً موضوعياً لمصالحها في الحرب الباردة، بينما وجدت لندن، المنشغلة آنذاك بمواجهة سوكارنو في أزمة “المواجهة” حول تأسيس ماليزيا، فرصةً لتوجيه الرأي العام الإندونيسي عبر وحدة دعايةٍ سرّيةٍ تابعة لوزارة خارجيتها، كما كشفت لاحقاً وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية.
لم تكن الحرب الباردة، في جوهرها، صراعاً بين أيديولوجيتين فحسب، بل كانت أيضاً استعداداً دائماً لدى القوى الكبرى لغض الطرف عن أثمانٍ بشريةٍ باهظة، ما دامت النتيجة تصبّ في ميزان “النظام العالمي” المرجو.
من الظل إلى العرش: سوهارتو وحقبة النظام الجديد
تسلّم الجنرال سوهارتو مقاليد السلطة الفعلية بهدوءٍ لافت، مُبعداً سوكارنو “الرئيس الشرعي” تدريجيًا عن موقع القرار دون أن يُعلن انقلاباً صريحاً، إلى أن أصبح رئيساً رسمياً، ليبدأ ما عُرف بـ”حقبة النظام الجديد” التي امتدت اثنين وثلاثين عاماً. شهدت هذه الحقبة استقراراً اقتصادياً نسبياً في عقودها الأولى، ترافق مع فسادٍ بنيويٍ عميقٍ طال مفاصل الدولة والاقتصاد كافة، حتى غدت عائلة الرئيس نفسها رمزاً لثروةٍ يصعب تفسيرها.
استعان سوهارتو، في إدارة الاقتصاد، بمجموعةٍ من الاقتصاديين الإندونيسيين المتخرجين من جامعاتٍ أمريكية، عُرفوا بلقبٍ غير رسميٍ هو “عصابة بيركلي”، فحققوا في العقدين الأولين من حكمه نمواً اقتصادياً لافتاً قائماً على الانفتاح على الاستثمار الأجنبي. وبالتوازي مع هذا الانفتاح الاقتصادي، أُحكمت قبضة الدولة على الحياة السياسية والفكرية: حُظر الحزب الشيوعي حظراً كاملاً لا يزال سارياً حتى يومنا هذا، وفُرضت فلسفة “بانتشاسيلا” الرسمية بوصفها الأساس الإيديولوجي الوحيد المسموح به لأي تنظيمٍ مدنيٍ أو سياسي، بينما خضعت الصحافة لرقابةٍ صارمةٍ استمرت حتى أواخر التسعينيات.
سقط هذا النظام أخيراً عام 1998، إثر أزمةٍ ماليةٍ آسيويةٍ عصفت بالاقتصاد الإندونيسي، وأشعلت احتجاجاتٍ شعبيةٍ واسعةٍ اضطر معها سوهارتو للاستقالة بعد أن كان قد رتّب لنائبه بي. جيه. حبيبي أن يخلفه. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل كان هذا التسليم فعلاً “سقوطاً” بالمعنى الكامل للكلمة، أم كان أقرب إلى مسرحيةٍ انتقاليةٍ محسوبة، أُريد لها أن تُبقي جوهر النظام سليماً بينما تتغيّر واجهته فقط؟ فلو حدث هذا التحول في بلدٍ لا تربطه علاقاتٌ سياسيةٌ واستراتيجيةٌ وثيقةٌ بالغرب، لربما شهدنا تغييراتٍ أكثر جذريةٍ في بنية النظام السياسي نفسه.
وثائقٌ لم تعد سرّية
بعد عقودٍ من التكتم، رفعت واشنطن عام 2017 السرية عن آلاف الوثائق الدبلوماسية التي أظهرت أن سفارتها في جاكرتا كانت على علمٍ تام، شبه يومي، بحجم المجازر الجارية وطبيعتها، بل قدّمت في بعض الأحيان قوائم بأسماء كوادر الحزب الشيوعي إلى الجيش الإندونيسي. وبعد ذلك بسنواتٍ قليلة، كشفت وثائق بريطانيةٌ أخرى عن دور وحدة دعايةٍ سرّيةٍ تابعة لوزارة الخارجية البريطانية، عملت من سنغافورة على تحريض قادة الجيش الإندونيسي على “استئصال الورم الشيوعي”، ضمن حملةٍ كانت في جوهرها انتقاماً من سوكارنو بسبب خلافه مع لندن حول ماليزيا أكثر منها التزاماً مبدئياً بمكافحة الشيوعية.
هذه الوثائق لا تكفي وحدها لتحميل الغرب مسؤولية القرار الإندونيسي الداخلي بالقتل، لكنها تكشف بوضوح أن القرار لم يُتَّخذ في فراغٍ دولي، وأن مَن كان يملك القدرة على التأثير اختار، في أفضل الأحوال، الصمت المتواطئ. ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن بعض المؤرخين يذهبون إلى أن حجم “التواطؤ” الغربي، وإن كان موثقاً في جوانبه الدعائية واللوجستية، لا يرقى إلى دور التخطيط أو التحريض المباشر على المجزرة نفسها، وأن الجيش الإندونيسي كان قادراً على تنفيذ ما نفّذه بمعزلٍ تامٍ عن أيّ إشارةٍ خارجية. الفصل بين هذين المستويين، مستوى المعرفة والتغطية الدعائية من جهة، ومستوى القرار والتنفيذ الفعلي من جهةٍ أخرى، يبقى نقطة خلافٍ علميٍ مشروعةٍ لم تُحسم بعد، ولك كقارئ أن تختار وجهة نظر.
عصر الإصلاح: هل تغيّر النظام فعلاً؟
منذ استقالة سوهارتو، تعاقب على رئاسة إندونيسيا ستة رؤساء: بي. جيه. حبيبي، ثم عبد الرحمن واحد، فميغاواتي سوكارنوبوتري، فسوسيلو بامبانغ يودويونو، فجوكو ويدودو، وأخيراً برابوو سوبيانتو. تحوّل خلال هذه المسيرة نظام الحكم من تعييناتٍ مغلقةٍ إلى انتخاباتٍ مباشرة، ومن رقابةٍ إعلاميةٍ خانقةٍ إلى مساحةٍ أوسع نسبياً من حرية التعبير.
لكن السؤال المزعج الذي لا يمكن تجاوزه هو: هل تغيّر النظام فعلاً، أم تغيّرت فقط طريقة الحكم بينما بقيت الطبقة السياسية والعسكرية نفسها، تلك التي خرجت من عباءة سوهارتو دون أن تُحاسَب، جالسةً في مقاعد القرار؟ صحيح أن الحديث عن مجازر 65 لم يعد ممنوعاً كما كان، وصحيح أن باحثين وصحفيين إندونيسيين يكتبون عنها بحريةٍ متزايدة، لكن لا يوجد حتى اليوم أيّ اعترافٍ قضائيٍ رسميٍ بوقوعها بوصفها جريمة دولة، ولا محاكمة واحدة طالت مسؤولاً رفيعاً عنها. وهنا يبرز تباين لافتٌ مع تجاربٍ أخرى، كتجربة جنوب أفريقيا، حيث أفضت لجنة “الحقيقة والمصالحة” إلى اعترافٍ رسميٍ علنيٍ بجرائم حقبة الفصل العنصري، وإن ظل هذا الاعتراف بعيداً عن العدالة الجنائية الكاملة. أما في إندونيسيا، فحتى ذلك الحد الأدنى من الاعتراف الرسمي لم يتحقق بعد.
هذا لا يعني أن شيئاً لم يتغيّر البتة؛ فقد شهدت البلاد منذ عام 2004 انتخابات رئاسيةٍ مباشرةٍ متعاقبة، ولامركزية إداريةٍ واسعةٍ منحت الأقاليم صلاحيات لم تكن تحلم بها في عهد النظام الجديد، ومساحةً أوسع بكثير لحرية الصحافة والمجتمع المدني مقارنةً بالحقبة السابقة. لكن هذا الانفتاح ظل مصحوباً بملفاتٍ لم تُحسم، أبرزها التوترات المستمرة في إقليم بابوا الغربية، وتصنيف إندونيسيا في مؤشرات مكافحة الفساد العالمية ضمن مراتب متوسطةٍ لا تعكس قطيعةً كاملةً مع إرث الفساد البنيوي لحقبة سوهارتو.
البعد الديني
لم تكن مجزرة 65، في أصلها، حدثاً دينياً بامتياز، بل كانت في جوهرها تصفيةٌ سياسيةٌ بغطاءٍ عقائدي. غير أن نتائجها البعيدة المدى حملت أثراً دينياً واضحاً: صعودٌ لاحقٌ لتيارٍ إسلاميٍ أكثر محافظة، إلى جانب انتشارٍ ملحوظٍ للمسيحية والبوذية والهندوسية المنظمة رسمياً في مناطق تركزها التقليدية. وقد تكون هذه الظاهرة، كما تلاحظها عينٌ متأنيةٌ في مدى المبالغة اللافتة أحياناً في مظاهر التديّن الشكلي كارتداء الحجاب أو كثافة بناء المعابد، محاولةً جماعيةً لا واعية من الناس لحماية أنفسهم من عودة استبدادٍ مماثل، عبر التموضع بوضوحٍ ضمن هويةٍ دينيةٍ معترفٍ بها لا تقبل الشك أو التأويل. وهكذا، ودون أن تكون الخلفية العقائدية سبباً مباشراً للمجزرة، شكّلت نتيجتها البعيدة إعادة صياغةٍ كاملةٍ للخريطة الدينية الإندونيسية، بأثرٍ لا يزال ملموساً في المجتمع حتى اليوم.
الوضع الراهن
تبدو إندونيسيا اليوم، بعد أكثر من ربع قرن على سقوط سوهارتو، نظاماً رئاسياً ديمقراطياً مستقراً نسبياً، حافظ على علاقاتٍ متوازنةٍ مع الجوار الإقليمي، وعلى شراكاتٍ اقتصاديةٍ متنوعةٍ مع الغرب والصين والنمور الآسيوية على حدٍ سواء، وسط مؤشرات تنميةٍ اقتصاديةٍ واضحةٍ تضعها ضمن مجموعة العشرين. فهي، إلى جانب عضويتها في هذا النادي الاقتصادي الضيق، عضوٌ مؤسسٌ في رابطة دول جنوب شرق آسيا، وأكبر اقتصادٍ في هذه المنطقة، ما يمنحها موقعاً يصعب تجاهله في أيّ حديثٍ عن موازين القوى في آسيا الصاعدة.

الحكمة الشعبية
تخيّل، للحظة، أنك مواطنٌ إندونيسيٌ عادي، وأن أهلك المباشرين عاشوا تلك الوقائع وسردوها لك بتفاصيلها المؤلمة: الجار الذي اختفى، القريب الذي أُجبر على تغيير دينه، الصمت الذي فُرض لعقود. أنت تعرف حق المعرفة طبيعة الطبقة السياسية والعسكرية التي حكمت بلادك، وتعرف ما اضطر إليه أهلك من مساوماتٍ صغيرةٍ وكبيرةٍ كي يبقوا أحياء. ثم شاركتَ، أو شارك من قبلك، في ثورةٍ شعبيةٍ أطاحت بسوهارتو عام 1998، لكنك أدركتَ لاحقاً أن الطبقة نفسها بقيت، وأن بلادك، المتحالفة بحكم الجغرافيا والمصالح مع الغرب، يُراد لنظامها أن يبقى على حاله، ضماناً لاستمرار توازناتٍ أوسع لا تملك أنت فيها كلمةً تُذكر.
ماذا يبقى لك، في مواجهة هذا العجز الظاهر، سوى فعلٍ رمزي؟ فاخترتَ، في نهاية المطاف، أن تمنح صوتك لابنة الرئيس الأول الذي أُطيح به، ميغاواتي سوكارنوبوتري، لتصل إلى سدة الرئاسة عام 2001، وكأنك تمنح التاريخ اعتذاراً متأخراً عن ضحايا أهملتهم عجلته الطاحنة، دون أن يغيّر ذلك الفعل الرمزي، في واقع الأمر، الكثير من موازين القوى الفعلية.
ولعل هذا هو بالضبط ما يجعل من الحالة الإندونيسية مرآةً أوسع من حدودها الجغرافية؛ إذ تطرح سؤالاً لا يخص جزر جاوة وسومطرة وبالي وحدها، بل يخص كل مجتمعٍ عاش عنفاً سياسياً جماعياً ثم أُريد له أن “يمضي قدماً” دون أن يمرّ بمحطة الاعتراف الكامل: هل يكفي تغيير الأشخاص في الواجهة لتبرئة النظام الذي أنتجهم؟ أم أن الذاكرة، حين تُترك معلّقةً بلا محاكمة ولا اعتذار رسمي، تتحوّل هي نفسها إلى شكلٍ آخرٍ من أشكال العنف، أبطأ وأكثر صمتاً، لكنه لا يقل قسوة عن العنف الأول؟
الجلادون، حين يُتركون دون حسابٍ طويلٍ بما يكفي، يتحولون من مجرمين إلى شهودٍ على أنفسهم، يعيدون تمثيل جرائمهم أمام كاميرا لا تدينهم بقدر ما تفتح، لمن يريد أن يرى، باباً ضيقاً نحو فهم كيف يمكن لدولةٍ كاملةٍ أن تصمت هذا الصمت الطويل.
فيلم “فعل القتل” كاملاً (مع التعليق التحليلي للمخرج جوشوا أوبنهايمر وفيرنر هيرتزوغ):
The Act of Killing (2012) – نسخة تعليق المخرج وجوشوا أوبنهايمر وفيرنر هيرتزوغ
المراجع
- جوشوا أوبنهايمر، فيلم “فعل القتل” (٢٠١٢)
- جوشوا أوبنهايمر، فيلم “نظرة الصمت” (٢٠١٤)
- أرشيف الأمن القومي الأمريكي، وثائق سفارة جاكرتا المرفوعة عنها السرية، ٢٠١٧: رابط المصدر
- هيومن رايتس ووتش، بيان حول الوثائق الأمريكية المرفوعة عنها السرية، ٢٠١٧: رابط المصدر
- موسوعة بريتانيكا، مادة “حركة الثلاثين من سبتمبر”: رابط المصدر
- تقارير صحفية حول الوثائق البريطانية المرفوعة عنها السرية بخصوص دور وزارة الخارجية الدعائي، ٢٠٢١
مقالات ذات صلة:
- الباناتي: النظام السياسي الذي لم يجد طريقه للواقع بعد
- حقوق الملكية الفكرية والقرصنة | الفيلسوف والقراصنة
- لعبة Call of Duty بالحياة الحقيقية؟ إنذار ترامب لإيران وساعة الصفر المرعبة
- حين تُعيد الجمهوريات اختراع الملوك
- الجلاد الذي لا يحتاج حجة | من كولت إلى الخوارزمية
- رصاصات واشنطن: قراءة في آليات الهيمنة وأدلة تغيير الأنظمة
- الأفروسنتريك: تهافت الجغرافيا وأوهام الهوية







